قال ابن عبد البر: «وأجمع العلماء على أن التيمم على مقبرة المشركين إذا كان الموضع طيبًا طاهرًا نظيفًا، جائز» .
وأما إذا نبشت، كأن يتكرر الدفن فيها مرارًا، فترابها نجس لا يجوز التيمم به؛ لاختلاطه بصديد الموتى ولحومهم.
وكذا لو غلب على ظنه نجاسة ترابها فإنه لا يجوز التيمم بها.
قلت: ويمكن أن يتخرج على المطلب السابق في الطهارة بالجفاف القول بجواز التيمم من المقبرة وإن نبشت، إذا كان أثر النجاسة قد زال بفعل الشمس والريح واستحالت، كالقول في طهارة الأرض النجسة بالجفاف، والله أعلم.
المبحث السابع
حكم التيمم بالتراب المستعمل
اتفق الفقهاء على أن تيمم الجماعة من الموضع الواحد جائز؛ لأن التراب المستعمل هو ما علق باليدين أما ما بقي على الأرض فلم يكن مستعملاً في عبادة، فأشبه الماء الباقي في الإناء فيكون طاهرًا بلا خلاف.
واختلفوا في حكم التيمم بالتراب المستعمل الذي يصيب العضو ثم يتناثر منه، فهل يجوز التيمم به أم لا؟ وذلك على قولين:
القول الأول: أنه يجوز التيمم به، وهو قول الحنفية، والمالكية، ووجه للشافعية، صححه الماوردي، ووجه عند الحنابلة؛ لأن المستعمل منه ما بقي على العضو، وما تناثر غير مستعمل فجاز التيمم به.
واستدل الماوردي أيضًا: بأن التيمم لا يرفع الحدث، ولكن يجيز الصلاة فقط، فلا يصير التراب مستعملاً به، بخلاف الماء؛ لأنه يرفع الحدث فصار مستعملاً برفعه.
القول الثاني: أنه لا يجوز التيمم به، وهو الأصح عند الشافعية، والصحيح عند الحنابلة؛ لأنه مستعمل في طهارة أباحت الصلاة فأشبه الماء المستعمل.
الترجيح:
الراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بجواز التيمم بالتراب المستعمل، وذلك لقوة تعليلهم، وأما ما استدل به الماوردي بأن التيمم لا يرفع الحدث فقد تقدم مناقشة هذا القول، وأن الراجح أن التيمم يرفع الحدث كالماء.
ومن أسباب الترجيح ما يلي:
أن الماء المستعمل يخالف التراب المستعمل؛ وذلك لأن الماء لا يدفع بعضه بعضًا، وأما التراب فيدفع بعضه بعضًا، حيث دفع ما أدى به الفرض في العضو ما تناثر منه.