أولاً: استدلوا على طهارة الأرض النجسة بالشمس أو الريح بمجموع ما تقدم ذكره من أدلة أصحاب القول الثاني.
ثانيًا: استدلوا على التفريق بين الصلاة والتيمم، بما يلي:
أن الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت إما بفعل الشمس أو بفعل الريح أو بغيرهما أصبحت طاهرة غير مطهرة، وطهارتها كافية في الصلاة عليها، بخلاف التيمم فإنه يشترط له الطهورية لقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43، المائدة: 6] ، وحديث ابن عمر السابق يدل على الطهارة دون الطهورية، فالأرض قبل التنجس كانت طاهرة وطهورًا، وبالتنجس زال الوصفان، ثم بالجفاف ثبتت الطهارة دون الطهورية، وحتى يتيمم بالتراب لابد من ثبوت الوصفين معًا.
المناقشة:
يمكن مناقشته بأن القول بالتفريق بين الصلاة والتيمم يحتاج إلى دليل صريح، فإن الكتاب العزيز اشترط أن يكون التراب طاهرًا، وقد ثبت لنا بحديث ابن عمر أن الجفاف يجعله طاهرًا، فلذا صحت عليه الصلاة، فكذلك يصح التيمم، إذ إن كل أرضٍ جازت الصلاة عليها فإنه يجوز التيمم بها كالأرض الطاهرة.
الترجيح:
الراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بجواز التيمم والصلاة على الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت، وذلك لما يلي:
لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.
أن القول بأن الأرض تطهر بالجفاف مأثور عن بعض التابعين.
أنه إذا كان التراب يطهر غيره، فلأن يطهر نفسه من باب أولى.
أن الإنسان إذا كان في سفر ونحوه فأراد أن يتيمم لعدم الماء فإنه يجوز له التيمم من الصعيد مع احتمال أن هذا الصعيد وقع عليه نجاسة من إنسان أو حيوان، وهذا يدل على أن الأرض تطهر بالجفاف.
المطلب الثالث
التيمم بتراب المقبرة
تقدم نقل اتفاق الفقهاء على اشتراط طهارة المتيمم به، وأنه لا يصح التيمم على المكان النجس.
فإن تيمم المتيمم بتراب المقبرة، فما الحكم؟
جملة القول في هذه المسألة: التفريق بين أن تكون أرض المقبرة قد نُبشت أو لم تنبش.
فإن كانت المقبرة لم تنبش أو غلب على ظنه عدم نجاستها فإنه يجوز التيمم بترابها.