الْمَسْحِ ، وَهُوَ الْمِنْدِيلُ ؛ وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ ؛ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَوْ قَالَ: امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ لَأَجْزَأَ الْمَسْحُ بِالْيَدِ إمْرَارًا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ عَلَى الرَّأْسِ لَا مَاءَ وَلَا سِوَاهُ ، فَجَاءَ بِالْبَاءِ لِتُفِيدَ مَمْسُوحًا بِهِ ، وَهُوَ الْمَاءُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ الْمَاءَ ، مِنْ بَابِ الْمَقْلُوبِ ، وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُهُ ، وَقَدْ أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: كَنُوَاحِ رِيشِ حَمَامَةٍ نَجْدِيَّةٍ وَمَسَحْت بِاللِّثَتَيْنِ عَصْفَ الْإِثْمِدِ مِثْلُهُ:"مِثْلُ الْقَنَافِذِ".
وَمِثْلُهُ: {مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} .
وَاللِّثَةُ: هِيَ الْمَمْسُوحَةُ بِعَصْفِ الْإِثْمِدِ ، فَقَلْبٌ.
وَلَكِنَّ الْأَمْرَ بَيِّنٌ وَالْفَصَاحَةَ قَائِمَةٌ ، وَإِلَى هَذَا النَّحْوِ أَشَارَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي شَرْطِهِ الرَّابِعِ بِالثَّلَاثَةِ الْأَصَابِعِ أَوْ الْأَرْبَعِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ مَمْسُوحٌ بِهِ لِأَجْلِ الْبَاءِ ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَامْسَحُوا بِأَكُفِّكُمْ رُءُوسَكُمْ.
وَالْكَفُّ خَمْسُ أَصَابِعَ وَمُعْظَمُهَا ثَلَاثٌ وَأَرْبَعٌ ، وَالْمُعْظَمُ قَائِمٌ مَقَامَ الْكُلِّ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ ، فَفَطِنَ أَنَّ إدْخَالَ الْبَاءِ لِمَعْنًى ، وَغَفَلَ عَنْ أَنَّ لَفْظَ الْمَسْحِ يَقْتَضِي الْيَدَ لُغَةً وَحَقِيقَةً ؛ فَجَعَلَ فَائِدَةَ الْبَاءِ التَّعَلُّقَ بِالْيَدِ.
وَهَذِهِ عَثْرَةٌ لِفَهْمِهِ لَا يُقَالُهَا ، وَوَفَّقَ اللَّهُ هَذَا الْإِمَامَ الَّذِي أَفَادَنِي هَذِهِ الْفَائِدَةَ فِيهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَاَللَّهُ يَنْفَعُنِي وَإِيَّاكُمْ بِرَحْمَتِهِ.