وقد شرح ابن الأنباري هذين القولين شرحًا حسنًا فقال في القول الأول للزجاج: المعنى أكملت لكم (نصر دينكم) بأن كفيتكم ما كنتم تخافونه عليه. وقال في القول الثاني: اليوم أكملت لكم شرائع دينكم من غير نقصان قبل (هذا) الوقت، وذلك أن الله عز وجل يتعبد خلقه بالشيء في وقت ثم يزيد عليه في وقت آخر، فيكون الأمر الأول تامًا في وقته وكذلك الثاني، كما يقول القائل: عندي عشرة كاملة، ومعلوم أن العشرين أكمل منها، و (الشرائع) التي تعبد الله بها عباده في الأوقات المختلفة مختلفة، وكل شريعة منها كاملة في وقت التعبد بها، (فكمل) الله الشرائع في اليوم الذي ذكره وهو يوم عرفة، ولم يوجب ذلك أن الدين كان ناقصًا في وقت من الأوقات.
وقوله تعالى: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} .
قال عطاء عن ابن عباس: يريد أنه حكم لهم بدخول الجنة.
وقال (المفسرون) : يريد أنه أنجز لهم ما وعدهم في قوله تعالى: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} [البقرة: 150] ، وكان من تمام (نعمته أن دخلوا مكة) آمنين، وحجوا (مطمئنين) ، لم يخلطهم أحد من المشركين.
وقال السدي: يعني أظهرتكم على العرب.
وقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} .
قال ابن عباس: (فمن اضطر) إلى ما حرّم مما سمي في صدر هذه السورة في مجاعة.
ومعنى {اضْطُرَّ} أصيب بالضر الذي لا يمكنه الامتناع معه من الميتة. وقال الزجاج: فمن دعته الضرورة في مجاعة.
والمخمصة: المجاعة في قول ابن عباس وجميع المفسرين.
وقال أهل اللغة: الخَمْص والمَخْمَصَة: خلاء البطن من الطعمام جوعًا، وأنشدوا:
يرى الخُمص تعذيبًا وإن يلق شِعبةً ... يَبِتْ قلبُه من قلة الهمّ مُبْهَمَا
وأصله من الخَمص الذي هو ضمور البطن، يقال: رجل خَميص وخُمصان، وامرأة خَمِيصة وخُمصانة، والجمع خمائص وخُمصانات، قال الأعشى:
تبيتُون في المشتَى مِلاءً بُطونُكم ... وجاراتكم غَرثَى يَبِتْن خَمَائِصا