وقد تطورت عندهم فكرة البنوة ، وفكرة التثليث ، حسب رقي التفكير وانحطاطه. ولكنهم قد اضطروا أمام الاشمئزاز الفطري من نسبة الولد لله ، والذي تزيده الثقافة العقلية ، أن يفسروا البنوة بأنها ليست عن ولادة كولادة البشر. ولكن عن"المحبة"بين الآب والابن. وأن يفسروا الإله الواحد في ثلاثة.. بأنها"صفات"لله سبحانه في"حالات"مختلفة.. وإن كانوا ما يزالون غير قادرين على إدخال هذه التصورات المتناقضة إلى الإدراك البشري. فهم يحيلونها إلى معميات غيبية لا تنكشف إلا بانكشاف حجاب السماوات والأرض.
والله - سبحانه - تعالى عن الشركة ؛ وتعالى عن المشابهة. ومقتضى كونه خالقاً يستتبع.. بذاته.. أن يكون غير الخلق. وما يملك إدراك أن يتصور إلا هذا التغاير بين الخالق والخلق. والمالك والملك.
.وإلى هذا يشير النص القرآني:
{إنما الله إله واحد. سبحانه! أن يكون له ولد؟ له ما في السماوات وما في الأرض..}
وإذا كان مولد عيسى - عليه السلام - من غير أب عجيباً في عرف البشر ، خارقاً لما ألفوه ، فهذا العجب إنما تنشئه مخالفة المألوف. والمألوف للبشر ليس هو كل الموجود. والقوانين الكونية التي يعرفونها ليست هي كل سنة الله. والله يخلق السنة ويجريها ، ويصرفها حسب مشيئته. ولا حد لمشيئته.
والله - سبحانه - يقول - وقوله الحق - في المسيح:
{إنما المسيح عيسى بن مريم ، رسول الله ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه} ..
فهو على وجه القصد والتحديد: {رسول الله} ..
شأنه في هذا شأن بقية الرسل. شأن نوح وإبراهيم وموسى ومحمد ، وبقية الرهط الكريم من عباد الله المختارين للرسالة على مدار الزمان..
{وكلمته ألقاها إلى مريم}