والمعنى أنه نسبهم إلى العلو دلالة بذلك على فضلهم، وتنبيهاً على علو قدرهم، لأنه لا شك أن السماء أفضل من الأرض، فقد ينبغي يعقل من ذلك أن الله تعالى إذا كان هو الذي أسكن الملائكة السماء، والبشر الأرض، ولم يكن لسكن أفضل المكانين أدون الخليقتين، وأدون المكانين أعلى الخليقتين، وفي هذا ما أبان أن الملائكة أفضل من البشر.
وحجة سادسة: وهو أن التقي من البشر أفضل من الذي يخلط العمل الصالح بالسيئة.
والملائكة كلهم يخلصون للطاعات، وليس فيهم أحد يخلطها بشيء من المعصية، ولا التقاة من البشر إن عصموا من الكبائر فقد لا يعصمون من الصغائر، وإن سلموا من الفعل فقد لا يسلموا من الهم.
وقد أخبر الله - عز وجل - بأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ولا يسبقونه بالقول وهم من خشية ربهم مشفقون، وإنهم لا يستأخرون عن عبادته ولا يفترون.
وفي هذا سوى ما ذكرنا من أتقياء البشر إن سلموا من كبائر الذنوب وصغائرها فليس أحد منهم يتعبد دائماً، والملائكة يعبدون الله دائماً لا يفترون.
فيجب عن هذا أن لا يكونوا أفضل من البشر.
فإن قيل: لو وجب أن يكون أفضل الأنبياء يحيى بن زكريا عليهما السلام لأن نبينا - صلى الله عليه وسلّم - أخبر أنه لا يخطئ قط، ولا همّ بخطيئة؟
فالجواب: أن الملائكة كما لا يخطئون ولا يهمون بالخطيئة فلذلك يعبدون الله دائماً ولا يفترون، ويحيى بن زكريا عليه السلام لم يكن بهذه الصفة بل كان يأكل ويشرب وينام ويفتر فيستريح، فيكون في هذه الأحوال منفكاً عن التعبد، تعبد في غير هذه الأحوال، فالظاهر من أمره أنه كان يتعبد بالصلوات والصيام والتقديس والتسبيح، ولم يكن عليه من الجهاد في سبيل الله والدفع عن دين الله وأوليائه بالسيف، ما كان على كثير من الأنبياء، ولا من الحج والهجرة ما كان على غيره، فلذلك لم يجر على القطع بتفضيله على عامة الأنبياء صلوات الله عليهم.
فإن قيل: فإنكم تعارضون في الملائكة بمثل هذا، وهم أنهم كانوا لا يعصون ويسبحون دائماً فلا يفترون، فإن الناس يكابدون من الحج والجهاد والهجرة والتعليم والتأديب والعفة ما لا تكابده الملائكة، فلا يجوز أن يقطع بفضل الملائكة عليهم.