وإذا قيل: ما يكره هذا الأمر فلان ولا فلان، وأريد به بخسه بدئ للأَدون لأنه يخفي عليه بعض ما فيه، فلذلك لا يكرهه، فأما من هو أعلى منه فإنه كوقوفه على حقيقة بكرهه لينفي هذا المعنى بعطف الأعلى على الأدون والله أعلم.
وحجة أخرى: هو أن الله جل ثناؤه أخبر عن آدم وحواء عليهما السلام أنه نهاهما عن أكل الشجرة {إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} .
فلو لم يعلم آدم صلوات الله عليه أن الملك أفضل من البشر لما استطاع إبليس أن يغره بأن شبه عليه أنه نهى عن أكل الشجرة لئلا يكون ملكاً، وفي نفاد الغرور له عليه من هذا الوجه ما دل على أن الملك عند آدم أفضل من البشر.
فحجة ثالثة: وهي أن الله تعالى جعل الملائكة شفعاً لبني آدم فقال: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} ومعلوم أن استغفار الملائكة لبني آدم ليس لحق بني آدم فيقضونه بالاستغفار لهم، كاستغفار الولد لأبويه، ولا هو على معنى التعاون كاستغفار بني آدم بعضهم لبعض لأنهم يستغفرون لبني آدم ولا حاجة بهم إلى أن يستغفر بنو آدم لهم.
فصح أنه من الشفاعة منهم لبني آدم كاستغفار النبي لأمته، وفي ذلك يتأول على أنهم أفضل من الذين يستغفرون لهم، كما أن كل نبي فهو أفضل من أمته والله أعلم.
وحجة رابعة: وهو أن يرسله الله تبارك وتعالى إلى أحد فهو أفضل من المرسل إليه.
ويدل ذلك على أن الرسول من البشر أفضل من قومه، فقياس ذلك أن يكون الملك المرسل إليه أفضل منه.
وحجة خامسة: وهو أن الله جل ثناؤه سمى الملائكة الملأ الأعلى، وفي ذلك معنيان: أحدهما: أن الملأ في اللسان، هم العظماء والأشراف، قال الله تعالى: {فَمَآ آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ على خوف من فرعون وملئهم} أي عن أكبر قومه.
وقال: {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ} .
أي كبراؤهم، فإن جماعتهم لم يكونوا بخاطبي فرعون، فلما سمى - عز وجل - عامة الملائكة بالاسم الموضوع للعظماء، دل ذلك على أنه إنما سماهم بذلك لأنهم بالقياس إلى سكان الأرض غاية كبرى عظماء، وليس فيهم من ينحط قدره من أحد من أهل الأرض.