ثم لما سمع الكلام منه معرف غير معرف نفس الكلام، وبتلقيه بما ركب الله تعالى في لسانه من التيسير له على المراد باستدلال عقلي رجع أصله إلى المعرف والعادة، وهو أن يقف السامع من المتكلم بالعبارة، أو بنقص الإمارات الحالية على أنه إذا تكلم بكذا أو أراد بكذا وأراد كذا، تدله حال المتكلم على إفادته، كما قد تدل الإشارة التي هي دون العبارة على كثير من الإفادة، فأما أصل الكلام سمع ولا يمكن فيه غير ذلك والله أعلم والله أعلم.
وفي ظهور ماوصفت أن الدلائل الدالة على الرسل دالة على القديم جل ثناؤه لا يمكن أن يكون الذي أرسلهم واحداً مثلهم، فيصح أنه إنما أرسلهم من لا يشبههم، ولا يجوز عليه الجهل والعجز ما يجوز على الناس، وليس إلا للباري القديم جل ثناؤه وتباركت أسماؤه.
(فصل)
ثم إن رسولاً أرسله الله تعالى إلى قومه فلم يجله من إبداء آية وحجة أتاها إياه وجعل تلك الآية مخالفة العادات إذ كان ما يريد الرسول إثباته بها من رسالة الله تعالى أمراً خارجاً من العادات، فيستدل بإقران تلك الآية بدعواه، وأنه رسول الله واستظهاره بها على تصحيح دعواه على صدقه وإخفائه، فإنه إذا كان لا يتميز عن سائر الناس بأمر يوجب أن ينقص الله تعالى لأجله عادة سوى دعواه أنه رسوله، ولا يعلم لينقص الله تعالى العادة على لسانه أنه أوغل يده، وفي الجملة لأجله ولسببه وجه سوى أن يكون خصه بذلك لتخصيصه إياه مما يدعيه من رسالته بغير هذا الوجه للقبول، لم يكن لتوهم غيره مساغ وإن قال لقومه: وإن كنت مفترياً على الله فأتوا بمثل ما افتريت، فعجزوا ولم يؤت الله تعالى أحداً منهم مثل الذي أتاه مع حاجتهم إليه لمعارضة وتكذيبه، إن كان كاذباً مفترياً.
وقد أشعر بإتيانه ما أتاه وحرمانهم مثله، أنه أراد إظهاره عليهم، وقطع حجتهم عنه، ألا ترى أن رجلين لو جاءا قوماً، فذكر كل واحد منهما لهم له رسول الله إليهم، فكذبوه، فدعوا الله - عز وجل - معاً وسألاه آية تدلهم على صدقهما، فوقعت الإجابة لأحدهما، واحد بآية من الآيات التي ليس في قوى البشر الإتيان بمثلها.