فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 118037 من 466147

لا ريب أن الذي أحسن كل شيء خلقه ، وأبدع في كل كائن صنعه ، وجاد على كل حي بما إليه حاجته ، ولم يحرم من رحمته حقيراً ولا جليلاً من خلقه - يكون من رأفته بالنوع الذي أجاد صنعه ، وأقام له من قبول العلم ما يقوم مقام المواهب التي اختص بها غيره - أن ينقذه من حيرته ، ويخلصه من التخبط في أهم حياتيه والضلال في أفضل حاليه .

يقول قائل: ولِمَ لَمْ يودع في الغرائز ما تحتاج إليه من العلم ، ولم يضع فيها الانقياد إلى العمل ، وسلوك الطريق والمؤدية إلى الغاية في الحياة الآخرة ؟ وما هذا النحو من عجائب الرحمة في الهداية والتعليم ؟ وهو قول يصدر عن شطط العقل ، والغفلة عن موضوع البحث وهو النوع الإِنسَاْني ، ذلك النوع ، على ما به ، وما دخل في تقويم جوهره من الروح المفكر ، وما اقتضاه ذلك من الاختلاف في مراتب الاستعداد باختلاف أفراده ، وأن لا يكون كل فرد منه مستعداً لكل حال بطبعه ، وأن يكون وضع وجوده على عماد البحث والاستدلال ، فلو أُلْهِمَ حاجاته كما تلهم الحيوانات ، لم يكن هو ذلك النوع ، بل كان إما حيواناً آخر ، كالنحل والنمل ، أو مَلَكاً من الملائكة ، ليس من سكان هذه الأرض .

ثم قال: إن كان الإِنسَاْن قد فطر على أن يعيش في جملة ، ولم يمنح مع تلك الفطرة ما منحه النحل وبعض أفراد النمل مثلاً ؛ من الإلهام الهادي إلى ما يلزم لذلك ، وإنما ترك إلى فكره يتصرف فيه ، كما فطر على الشعور بقاهر تنساق نفسه بالرغم عنها إلى معرفته ، ولم يفض عليه ، مع ذلك الشعور ، عرفانه بذات ذلك القاهر ولا صفاته ، وإنما ألقي به في مطارح النظر تحمله الأفكار في مجاريها ، وترمي به إلى حيث يدري ولا يدري ، وفي كل ذلك الويل على جامعته ، والخطر على وجوده ، أفهل مني هذا النوع بالنقص ، ورزئ بالقصور عن مثل ما بلغه أضعف الحيوانات وأحطها في منازل الوجود ؟ أنعم ، هو كذلك ، لولا ما أتاه الصانع الحكيم من ناحية ضعفه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت