نحن - إذن - أمام لقطة قصصية في قصة نوح . يلفتنا بها الحق إلى مسألة بنوة الرسالات ، فالبنوة هنا منهجية . ومن يتبع النبي هو الذي يكون من نسبه . ومن لا يتبع النبي فليس من نسبة ، لذلك قال الحق: {قَالَ يا نوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} . فأهل النبوة هم الذين اتبعوا منهج النبي . ويشرحها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال عن سلمان الفارسي:
"سلمان منا أهل البيت"
ولم يقل: إن سلمان عربي ، أو إنّه من المسلمين ، لكنه قال: إنه من أهل البيت . وقد أوضح الحق ذلك في قصة ابن نوح: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} .
وخاض في معنى {لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} بعض الخائضين باللغو وقالوا: إن أم ابن نوح قد فعلت السوء ، ولهؤلاء نقول: استغفروا ربكم وانظروا إلى حيثية الحكم: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [هود: 46]
إذن فنسبة الأبناء للآباء من الأنبياء نسبة عمل لا نسبة دم ولا نسبة عن زواج أو إنجاب ، أما الذين قالوا السوء في امرأة نوح فعليهم أن يستغفروا الله ، فالحق سبحانه منزه عن التدليس على رسوله . وهب أن أم الولد قد فعلت ذلك - معاذ الله - فما ذنب الولد تصير أمه إلى هذا؟ لا دخل للولد بذلك ، لكن قول الله: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} يدل على أن ثبوت النبوة الإيمانية يكون بالعمل فقط .
ولننظر إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله وعشيرته . . فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:"لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين ، جعل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بطون قريش بطنا بطنا: يا بني فلان أنقذوا أنفسكم من النار حتى انتهى إلى فاطمة فقال: يا فاطمة ابنة محمد انقذي نفسك من النار لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحماً سأبلها بِبِلالها"