وعندما ننظر إلى هذه المسألة ، نجد أن الحق سبحانه وتعالى أنصف خلقه لعلهم يعرفونه ، فجعل لهم إيجاد أشياء وخلق أشياء . وحين يتعرض سبحانه لأمر يكون له فيه فعل ويكون لمن أقدره سبحانه من خلقه فيه فعل ، فهو يأتي بنون التعظيم لأنه - سبحانه - هو الذي أمدهم بهذه القدرات .
وحين أوجد الحق خلقه من عدم ، جعل لخلق من خلقه إيجاداً ؛ ولكنْ هناك فرق بين إيجاد المادة ، وإيجاد ما يتركب من المادة . فقد خلق سبحانه كل شيء من عدم ، ولكن جعل لخلقه أن يخلقوا أشياء لكن ليست من عدم . وما ضَنَّ سبحانه وتعالى عليهم بأن يذكرهم بلفظ الخلق فقال: {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} [المؤمنون: 14]
فكأنه سبحانه وتعالى جعل من خلقه خالقين ، لكن الخالقين من خلقه لم يخلقوا من عدم محض ، وإنما كوَّنوا مركّباً من موجود في مواده . فأخذوا من مواد خلقها الله فركّبوا وأوجدوا . والإنسان الذي صنع كوب الماء لم ينشئ الكوب من عدم محض وإن كانت"الكلية"في الكوب غير موجودة فجزئيات إيجاد الكوب موجودة ، فالرمل موجود في بيئات متعددة ، وموجود أيضاً ما يصهر الرمل ، والعقل الذي يأخذ تلك العناصر ، والفكر الذي يصنع من الرمل عجينة ، ومصمم الآلات التي تصنع هذا الكوب موجود . إذن فقد أوجد الإنسان كوباً من جزئيات موجودة . فالفارق - إذن - بين خلق الله وخلق خلق الله ؛ أن الله خلق من عدم محض ، لذلك وصف ذاته بقوله: {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} .