والحق هنا يقول: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} أي أنه أوحى بمنهج ليصير الإنسان سيداً في الكون ، يصون نفسه والكون معاً ، وصيانة الكائن والكون تقتضي علماً وحكمة وقدرة ورحمة ؛ لذلك فالوحي يحتاج إلى صفات كثيرة متآزرة صنعت الكون . ورحمة من الله بخلقه أن جعل لهم مدخلاً فيقول على سبيل المثال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} [فاطر: 27]
هو الذي أنزل من السماء ماء ، وليس لأحد من خلقه أي دخل في هذا ؛ لأن الماء إنما يتبخر دون أن يدري الإنسان ، ولم يعرف ذلك إلا منذ قرون قليلة . وعرفنا كيف يتكون السحاب من البخار ، ثم ينزل المطر من بعد ذلك . إذن لا دخل للإنسان بهذا الأمر ؛ لذلك يقول الحق: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً} . ويأتي من بعد ذلك إنصاف الحق للخلق ، فيقول: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} . ولم يقل:"فأخرجت". بل أنصف الحق خلقه وهم المتحركون في نعمه بالعقول التي خلقها لهم ، فسبحانه يقدر عمل الخلق من حرث وبذر ورى وذلك حتى يخرج الثمر .
إذن الأسلوب القرآني حين يأتي ب"إني"يشير إلى وحدة الذات ، وحين يأتي ب"إنَّا"يشير إلى تجمع صفات الكمال ؛ لأن كل فعل من أفعال الله يقتضي حشداً من الصفات علماً وإرادة وقدرة وحكمة وقبضاً وبسطاً وإعزازاً وإذلالاً وقهاريةً ورحمانيةً ؛ لذلك لا بد من ضمير التعظيم الذي يقول فيه النحويون: إن"نحن"و"ن"للمعظم نفسه .
وقد عظم الحق نفسه ؛ لأن الأمر هنا حشد صفات يتطلبها إيجاد الكون والقيام على أمر الكون . ولذلك نجد بعض العارفين الذي لمحوا جلال الله في ذاته وجماله في صفاته يقولون:
فسبحان رب فوق كل مظنة ... تعالى جلالاً أن يُحاط بذاته
إذا قال"إني"ذاك وحدة قدسه ... وإن قال"إنَّا"ذاك حشد صفاته