أى: أرنا الله جهارا عيانا بحاسة البصر فيكون قوله جَهْرَةً مفعولا مطلقا، لأن لفظ جَهْرَةً نوع من مطلق الرؤية فيلاقى عامله في الفعل.
ويصح أن يكون حالا من المفعول الأول أي: أرنا الله مجاهرين معاينين وقوله: «فأخذتهم الصاعقة بظلمهم» بيان للعقوبة التي حلت بهم نتيجة سوء أدبهم وجرأتهم على خالقهم وعلى أنبيائهم.
والصاعقة - كما يقول ابن جرير -: كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفة.
وقال الراغب: الصاعقة على ثلاثة أوجه: الموت كقوله: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ. والعذاب كقوله: أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ، والنار كقوله:
وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وما ذكره - سبحانه - إنما هي أشياء حاصلة من الصاعقة فإن الصاعقة هي الصوت الشديد في الجو، ثم يكون منه نار فقط، أو عذاب، أو موت، وهي في ذاتها شيء واحد. وهذه الأشياء تأثيرات منها.
ويبدو أن المراد بالصاعقة هنا: ذلك الصوت الشديد المجلجل المزلزل المصحوب بنار هائلة، والذي كان من آثاره أن صعقوا: أي خروا مغشيا عليهم أو هلكوا، بسبب ظلمهم وعنادهم وفسوقهم عن أمر الله.
وقوله: ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً بيان لنوع ثالث من جرائمهم، ولمظهر من مظاهر رحمة الله بهم.
أي: أن هؤلاء الذين سألوا موسى رؤية الله جهرة، أخذتهم الصاعقة عقوبة لهم على ظلمهم، لم يرتدعوا ولم ينزجروا، بل لجوا في طغيانهم وضلالهم فاتخذوا العجل معبودا لهم من دون الله مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي من بعد ما جاءتهم الدلائل القاطعة على وحدانية الله وصدق أنبيائه.
وقوله: فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ أي. عفونا عن اتخاذهم العجل إلها بعد أن تابوا وأقلعوا عن عبادته، لأن التوبة تجب ما قبلها.