فأمر الله له بالاستغفار إشارة إلى قرب أجله، ودلالة الآية عليه دلالة لزوم.
وقد روي هذا الاستنباط عن بعض الصحابة والتابعين، قال ابن عباس رضي الله عنهما جوابًا لعمر رضي الله عنه لما سأله عن هذه الآية: (هو أجل رسول الله أعلمه له، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول) (1) ، وممن روي عنه ذلك أيضًا: ابن مسعود، ومجاهد، والضحاك (2) .
وقد قال بهذا الاستنباط بعض المفسرين ممن جاء بعد هؤلاء، قال الطوفي: (قيل: هو إشارة إلى قرب أجل النبي صلى الله عليه وسلم) (3) ، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضًا: الرازي، والبيضاوي، وأبوالسعود، والألوسي، وابن عاشور (4) .
وقد أشار بعض المفسرين إلى أوجه استنباط ذلك من الآية:
منها: أنه لما ذكر حصول النصر والفتح ودخول الناس في الدين أفواجًا دل ذلك على حصول الكمال والتمام، وذلك يعقبه الزوال (5) .
ومنها: أن قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) } وهو صلى الله عليه وسلم، كان يسبح بحمده دائما فعلم أن المأمور به من ذلك التسبيح بعد الفتح ودخول الناس في هذا الدين أمر أكبر من ذلك المتقدم وذلك مقدمة بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي ترقيه إلى ذلك المقام بقية فأمره بتوفيتها (6) .
ومنها: أنه سبحانه شرع التوبة والاستغفار في خواتم الأعمال
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) ، ح (4970) .
(2) روى ذلك عنهم ابن جرير الطبري في جامع البيان (12/ 732) .
(3) انظر: الإشارات الإلهية (3/ 425) .
(4) انظر: التفسير الكبير (32/ 151) ، وأنوار التنزيل (3/ 580) ، وإرشاد العقل السليم (6/ 483) ، روح المعاني (15/ 484) ، والتحرير والتنوير (30/ 594) .
(5) انظر: التفسير الكبير (32/ 151) .
(6) انظر: إعلام الموقعين (1/ 333) .