الدراسة:
استنبط السعدي من هاتين الآيتين المناسبة بينهما، وذلك أن في الآية الأولى نفي تحمل خطايا الغير، فلما كان هذا النفي موهمًا أن يتحمل من تسبب في الذنوب ذنبه وذنب غيره ممن كان سببًا في وقوعهم، أعقب الله هذا النفي بيان أن من تسبب في خطيئة وكان معينًا عليها فإن عليه من الوزر مثل ما على صاحبها.
وأشار بعض المفسرين إلى أمر آخر في هاتين الآيتين وهو توهم التعارض بينهما ففي الأولى نفي التحمل، وفي الثانية إثباته، وأجابوا عنه بأن المثبت غير المنفي فلا تعارض، فالمنفي هو تحمل الذنب مع براءة صاحبه الأصلي، والمثبت هو ذنب إضلال الغير، قال ابن عاشور: (والحمل المنفي هو ما كان المقصود منه دفع التبعة عن الغير وتبرئته من جناياته، فلا ينافيه إثبات حمل آخر عليهم هو حمل المؤاخذة على التضليل) (1) ، وممن أشار إليه كذلك من المفسرين: الرازي، والخازن، ومحيي الدين شيخ زاده، وشهاب الدين الخفاجي، والشنقيطي (2) .
قال تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) (العنكبوت: 48) .
369 -قال السعدي - رحمه الله: (فمفهوم الآية الكريمة أن غير المبطلين وهم المحقون الذين قصدهم اتباع الحق أنهم لا يحصل عندهم
(1) انظر: التحرير والتنوير (20/ 220) .
(2) انظر: التفسير الكبير (25/ 37) ، ولباب التأويل (3/ 377) ، وحاشية زاده على البيضاوي (6/ 492) ، وحاشية الشهاب على البيضاوي (7/ 338) .