يعانيه من مرض أو فقر ونحو ذلك إذا لم يكن على سبيل التشكي والتسخط، ووجه استنباط ذلك من الآية أن إخوة يوسف شكوا عليه حالهم، وأقرهم على ذلك، فلو كان غير جائز لأنكر عليهم.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الجصاص: (لما ترك يوسف عليه السلام النكير عليهم في قوله: {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} دل ذلك على جواز إظهار مثل ذلك عند الحاجة إليه وأنه لا يجري مجرى الشكوى من الله تعالى) (1) ، وممن قال بذلك من المفسرين أيضًا: ابن الفرس، والقرطبي، والقاسمي، والشوكاني. (2)
ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها، حين قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: وا رأساه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"ذاك لو كان وأنا حي، فأستغفر لك وأدعو لك"، فقالت عائشة واثكلياه، والله إنى لأظنك تحب موتى، ولوكان ذاك لظللت آخر يومك معرسًا ببعض أزواجك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: بل أنا وارأساه) (3) ، وبوب البخاري على هذا الحديث قائلًا: باب ما رخص للمريض أن يقول أنا وجع، أو وا رأساه، أو اشتد بي الوجع، وقول أيوب عليه السلام: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} (4) [الأنبياء: 83] .، قال ابن حجر نقلًا عن القرطبي: (وأما مجرد التشكي فليس مذمومًا حتى يحصل التسخط للمقدور) (5) .
(1) انظر: أحكام القرآن للجصاص (3/ 229) .
(2) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (3/ 229) ، والجامع لأحكام القرآن (9/ 214) ، ومحاسن التأويل (6/ 218) ، وفتح القدير (3/ 60) .
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرض، باب ما رخص للمريض أن يقول أنا وجع، أو وا رأساه، أو اشتد بي الوجع، وقول أيوب عليه السلام: (إني مسني الضر) ، ح (5663) .
(4) انظر: صحيح البخاري ص (1003) .
(5) انظر: فتح الباري لابن حجر (10/ 129) .