والتبتل الذي أراده عثمان بن مظعون تحريم النساء والطيب، وكل ما يلتذ به، فلهذا أنزل في حقه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [1] .
فإن قلت: كيف يرده - صلى الله عليه وسلم - وقد قال الله تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) } [2] ؟ قلت: هذا التبتل المأمور فسره مجاهد، فقال:"أخلص له إخلاصًا"وهو تفسير بالمعنى، وإلا فالتبتل الانقطاع، والمراد انقطع إليه انقطاعًا، ولكن لما كان حقيقة الانقطاع، لا تتم إلا بالإخلاص فسره به.
قوله:"فإن لأهلك عليك حقًا": علل - صلى الله عليه وسلم - أمره لعثمان بما ذكر بأن هذا الاجتهاد في العبادة تضيع به حقوقًا لأهله ولضيفه، ولنفسه، وتضييعها حرام، ولذا قال له:"اتق الله"فالمراد أمره بتقواه في عدم تضييع الحقوق بفعل ما نواه.
قوله:"زاد رزين، وكان حلف."
أقول: أخرجها عبد الرزاق [3] والطبراني [4] عن عائشة قالت: دخلت امرأة عثمان بن مظعون واسمها: خولة بنت حكيم عليَّ وهي باذَّة الهيئة, فسألتها ما شأنك؟ فقالت: زوجي يصوم النهار، ويقوم الليل، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فلقي النبي - صلى الله عليه وسلم - عثمان، فقال:"يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا أما لك فيَّ أسوة؟"فوالله! إني لأخشاكم لله وأحفظكم بحدوده"، والروايات واسعة في هذا المعنى عن عثمان تضمنها الدر المنثور."
(1) سورة المائدة (87) .
(2) سورة المزمل: (8) .
(3) في"المصنف" (6/ 167 - 168 رقم(10375) .
(4) في"المعجم الكبير"رقم (8319) .
قلت: وأخرجه البزار رقم (1458 - كشف) وابن حبان رقم (9) ، بسند صحيح، وهو حديث صحيح.