الثاني من الفصل الأول تحديد القسم الذي يندرج تحته الجمع بين الصلاتين-.
وقد ذكر الشاطبي أن حكم الرخصة -من حيث هي رخصة- الإباحة مطلقًا؛ وعلّل قوله بأن النصوص التي جاءت بإباحتها لا تتجاوز الحكم بنفي الإثم ورفع الحرج؛ كقوله سبحانه: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [1] وقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [2] . ولم تأت زيادة على ذلك بالأمر بالإقدام أو الترغيب فيه أو بالتوجيه بأفضلية الترك [3] . وحاصل مخالفة كلام الشاطبي لكلام غيره من العلماء أنه خلاف لفظي [4] . وذلك لأن الجميع متفقون على أن الرخصة الواجبة واجبٌ فعلها؛ والمندوبة مندوبٌ فعلها ... إلخ. لكن هل وقع الحكم بالترخيص ابتداءً زائدًا عن الإباحة أو أن الترخيص كان أولًا بالإباحة لكن الأحوال المحيطة بالمكلف صيّرت الحكم إلى أمر زائد عن الإباحة؟ [5] .
وقد ذكر العلماء أن الرخص الشرعية أقسام:
1/ رخصة إسقاط. كإسقاط الصلاة عن الحائض والنفساء، وعدم وجوب الحج على المرأة إذا لم تجد محرمًا، وإسقاط الجمعة والجماعة عن المريض.
2/ رخصة تنقيص. كقصر الصلاة للمسافر، وتنقيص القيام في الصلاة للمريض إلى القعود أو الإيماء حسب استطاعته.
3/ رخصة إبدال. ولا بد أن تكون إلى أخفّ، كإبدال الماء بالتراب في الوضوء والغسل، وإبدال العتق في الكفارات بالصيام ثم بالإطعام.
(1) سورة البقرة. آية (173)
(2) سورة النساء. آية (101)
(3) انظر: الموافقات (1/ 474 - 484)
(4) انظر: قاعدة المشقة تجلب التيسير، للباحسين (ص 463) والرخص الشرعية، للنملة (ص 131)
(5) انظر: الإبهاج شرح المنهاج (1/ 173) والبحر المحيط (1/ 264) . وقد يُفهم هذا من كلام الشاطبي -أيضًا- حين تكلم حول مسألة: أكل الميتة للمضطر. قال:"فالحاصل أن إحياء النفس على الجملة مطلوب طلب العزيمة، وهذا فرد من أفراده، ولا شك أن الرخصة مأذون فيها لرفع الحرج، وهذا فرد من أفرادها، فلم تتحد الجهتان. وإذا تعددت الجهات زال التدافع، وذهب التنافي، وأمكن الجمع"اهـ (الموافقات 1/ 482 - 483)