إلا أن الناظر في حال مكة اليوم والمشاعر حولها؛ يدرك أن المسافة بين مكة والمشاعر لا تعتبر سفرًا عرفًا؛ بل إن بين بعضها اتصالًا؛ كما بين مكة ومنى؛ وبين منى ومزدلفة. ولذا فإن علة الجمع حينئذ تقتصر على الحاجة وتنتفي علة السفر؛ وبالتالي: فإن الراجح أن أهل مكة لا يقصرون بالمشاعر لانتفاء علة السفر.
المطلب الأول: حكم الجمع في الحضر لأجل المطر ونحوه.
اتفق المالكية والشافعية والحنابلة على جواز الجمع في الحضر لأجل المطر [1] . بل قال شيخ الإسلام -بعدما ساق بعض الآثار من فعل التابعين-:"فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين. مع أنه لم ينقل أن أحدًا من الصحابة والتابعين أنكر ذلك، فعُلم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك" [2] اهـ.
لكنهم اختلفوا: هل يسن الجمع عند المطر أو يباح دون استحباب؟ على قولين:
القول الأول: أنه سنة. وهذا قول المالكية [3] .
القول الثاني: أنه جائز وليس بمسنون. وهذا قول الشافعية [4] والحنابلة [5] .
أدلة القول الأول:
(1) تقدم الكلام حول هذا في المبحث الثاني من الفصل الأول.
(2) مجموع الفتاوى (24/ 83) .
(3) انظر: مواهب الجليل (2/ 514) وشرح الزرقاني على خليل (2/ 87) وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (1/ 423) .
(4) انظر: المجموع (4/ 260) ومغني المحتاج (1/ 411) .
(5) انظر: المغني (3/ 132) وكشاف القناع (3/ 291) .