فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 318

مع أن الناظر ربما التمس العذر بالمشقة في كلا النوعين، إلا أن العلماء حينما يتكلمون عن العذر لا يريدون هذا، وإنما يريدون الانتقال من حكم شرعي أصلي باقٍ غير منسوخ إلى حكم أخف منه.

ولا فرق بين أن يكون الحكم الأخف من جنس الأصلي أو بدلًا عنه من غير جنسه. فالسبب الذي نقل المسافر إلى قصر الرباعية ركعتين ونقل من عجز عن استعمال الماء في الطهارة إلى التيمم بالتراب يسمى عذرًا في كلا الحالين [1] .

وحينما ننظر في الجمع بين الصلاتين؛ نقول: إن الحكم الأصلي أن تؤدى كل صلاة من المكتوبات في وقتها؛ ولكن لما كان المسلم تعرض له أحيانًا بعض الأحوال والأسباب التي يتعذّر أو يتعسر معها تطبيق الحكم الأصلي؛ أبيح له الانتقال إلى حكم أخف من ذلك؛ وهو أن يجمع بين كل صلاتين لا فاصل بين وقتيهما [2] في وقت إحداهما.

المسألة الثانية: الجمع لعذر. وفيها فرعان:

الفرع الأول: حكم الجمع لعذر.

الفرع الثاني: حكم الأخذ برخصة الجمع.

(1) ذكر الدكتور علي أبو البصل في كتابه (الرخص في الصلاة ص 29 - 30) أن بين العذر والرخصة فرقًا، وأن العذر أعم من الرخصة لشموله لجميع العوارض التي تطرأ على المكلف بسبب الظروف والأحوال، سواء كان العارض شاقًا ومُعجزا أو لا، وأن الرخصة لا تكون إلا فيما كان شاقًا ومعجزًا. وقد نقل الدكتور ذلك عن الشاطبي في موافقاته (1/ 466 - 467) .

قلت: والذي يظهر لي من كلام الشاطبي أنه ما أراد هذا، وإنما أراد أن الرخصة هي الحكم؛ وعلة هذا الحكم هي العذر، وأن الرخصة لا تسمى رخصة على اصطلاح العلماء إلا إذا كانت العلة (وهي العذر) فيها المشقة. فلو كانت العلة حاجة أو تكميلًا لم يسمّ الحكم رخصة. ومثّل الشاطبي بصلاة القاعد القادر على القيام خلف القاعد، حيث قد جاء الصحيحين:"وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون" (البخاري: 10 - كتاب الأذان/51 - باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به/ حديث 689/ ص 139) (ومسلم: 4 - كتاب الصلاة/19 - باب ائتمام المأموم بالإمام/حديث 411/ص 218) فصلاة الإمام قاعدًا تسمى رخصة للمشقة التي تلحقه، وأما صلاة من خلفه قعودًا فلا تسمى رخصة اصطلاحية لكون العلة فيها ليست هي المشقة وإنما لطلب موافقة الإمام وتحقيق الائتمام به، فالعلة وإن سميت عذرًا إلا أن المشقة عن العذر انتفت؛ فلم يُسمّ الحكم رخصة.

(2) المراد: الوقت الاختياري؛ في الصلاة التي لها وقتان: اختياري وضروري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت