فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 318

كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا" [1] ."

ومن صور السماحة: التيسير فيما تعمّ به البلوى مما لا يمكن التحرز منه، وإيجاد الكفارات لما قد يرتكبه المسلم مما يوقع في الإثم، وتشريع الأبدال لما يتعذر أو يتعسّر فعله من الأوامر والتكليفات الشرعية.

ويتعدى يسر الشريعة إلى أن المكلف قد يجب عليه الأخذ بالرخصة إذا كان تركها مفضيًا إلى الإضرار بإحدى الضروريات الخمس التي جاء الشرع بحفظها؛ وهي: الدين والنفس والعرض والعقل والمال.

ومع هذا فإن تكاليف الشرع المطهّر لا تخلو من مشقة؛ وهي مشقة معتادة لا تنفك عنها العبادة غالبًا، ولذلك فلا أثر لهذه المشقة في الترخيص. كما هو الحال في المشقة الموجودة في الحج والجهاد وإقامة الحدود.

وأما المشقة غير المعتادة فلا تخلو:

إما أن تكون عظيمة تتجاوز طاقة المرء ووسعه؛ فهذه موجبة للترخيص والتخفيف قطعًا، كالخوف من استعمال الماء البارد في الجنابة ولا يجد ما يسخّنه أو ثوبًا يتدفّأ به فيجوز له التيمم، وكذلك ما يذكره الفقهاء: إذا لم يكن له طريق للحج إلا البحر، وكان الغالب عدم السلامة فلا يجب عليه الحج. لأن حفظ النفوس لإقامة مصالح الدين أولى من تعريضها للفوات في عبادة أو عبادات.

وإما أن تكون المشقة خفيفة كأدنى وجع في طرف أو صداع في رأس؛ فهذه لا أثر لها، لأن تحصيل مصالح العبادات أولى من دفع مثل هذه المفسدة.

وإما أن تكون بين هاتين المرتبتين، فما كان قريبًا من الأولى أخذ حكمها؛ وما كان قريبًا من الثانية أخذ حكمها، وما توسّط فكان بينهما على السواء فهذه محل خلاف بين الفقهاء، منهم من يلحقها بالأعلى ومنهم من يلحقها بالأدنى ومنهم من يتوقف، وقد

(1) رواه البخاري. (56 - كتاب الجهاد والسير/ 134 - باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة/ حديث 2996/ ص 607) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت