الدليل الأول: قياسًا على من لم يُجمع مكثًا. إذ لا فرق بين رجلين كلاهما قدم البلد لغرض معين؛ لكن أحدهما يعرف متى ينتهي والآخر لا يعرف متى ينتهي. فما الفرق المؤثر الذي يمنع الأول من الترخص ويبيحه للثاني؟ [1]
المناقشة: يناقش بأن بينهما فرقًا مؤثرًا؛ فالغالب من حال الأول أن توجد منه مظاهر المقيم عرفًا؛ فترى نفسه ساكنة مستقرة لنيته الإقامة بهذا المكان؛ كما أنه يختار مسكنًا مناسبًا للمدة التي سيقضيها؛ وربما جهّزه بالمتاع والأثاث -ما يناسب تلك المدة-. بخلاف الثاني فإن غالب حاله أنه مضطرب لأنه يظن أنه سيرحل اليوم أو غدًا؛ فلا يبحث عن مسكن مناسب لمدة طويلة بل ينزل في منازل المسافرين الذين لا ينوون الإطالة؛ ولا يسعى إلى تجهيز ذلك المنزل بالمتاع والأثاث لكونه يظن في كل يوم أنه مغادر فيه أو في غده. فالثاني ألصق وصفًا بالمسافر كما أن الأول ألصق بالمقيم فافترقا.
الدليل الثاني: أن الأحاديث والآثار الواردة إنما ترخص فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لكونهم علّقوا إقامتهم في المكان الذي نزلوا فيه بانتهاء غرضهم الذي نزلوا من أجله.
المناقشة: نوقش من وجهين:
1/ أن هذا الوصف -أي: الوصف بكونهم علقوا إقامتهم بانتهاء الغرض- ليس هو علة الترخص، لأنه وصف طردي غير مؤثر [2] . ولا يكفي كونه مقارنًا للحكم وجودًا وعدمًا دليلًا على أنه صالح للتعليل؛ لأن هناك أوصافًا تقارن الحكم أيضًا؛ مثل: الاستيطان؛ وكون السفر طاعة؛ وكون السفر في رفقة ... الخ. فلا دليل على اعتبار هذا الوصف دون غيره [3] .
فإن قيل: إنه لا يوجد وصف جامع يعلل به الترخص في تلك الأحاديث والآثار غير هذا الوصف، فالجواب أن يقال: إن بينها وصفًا جامعًا مؤثرًا؛ وهو أنها لم تحقق فيها
(1) انظر: فتاوى ابن عثيمين (15/ 306) .
(2) انظر في اشتراط التأثير في الوصف الذي يصح التعليل به: البحر المحيط (4/ 119) وشرح الكوكب المنير (4/ 264) وإرشاد الفحول (2/ 872) .
(3) انظر بحث: حد الإقامة، للماجد.