أتى به غير معطوف، لأنه جواب عن سؤال مقدر، وكأنَّ قائلا قال: لم كانوا لا يفقهون، فقال: لأنهم يقولون (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ) ، فإِن قلت: لم أتت مقالتهم أولا بأداة الحصر وهي هُمْ، أو البناء على المضمر، وأتت هنا بغير حصر مع أن الجميع خاص بهم لم يقله غيرهم؟ فالجواب: أن هذا خبر مبتدأ مضمر، أي هم يقولون لئن رجعنا، وصح حذفه هنا؛ لأن الخبر لَا يصلح إلا له وكون الموصول يقتضي الحصر بين، وقد قال مالك في الوصايا: إذا أوصى بعبده مرزوق لفلان، ثم أوصى به لفلان، فإِنه يكون بينهما معا، فإن قال: عبدي الذي أوصيت به لفلان، أعطوه لفلان فهو للثاني، ويعد رجوعا عن الأول، وما ذلك إلا لاقتضاء الموصول في الحصر.
قوله تعالى: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) .
قرئ بالنون ونصب الأعز على الاختصاص مثل"نحن معاشر الأنبياء لَا نورث"، ونصب (الْأَذَلَّ) على أنه حال، ومعنى هذه القراءة إن رجعنا إلى المدينة تحت طاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتركنا قتاله ومعاندته صرنا أذلاء بعد كوننا أعزاء.
قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) .
هذا التشريف من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين، حيث ذكرهم مع اسمه وشركهم معه في العزة، وهي هنا إما صفة نقل، أو صفة معنى، إما مشتركة أو للقدر المشترك، وهذا بالنسبة إلى عزة الله وعزة النبوة والمؤمنين، وأما كونها نقلية أو معنوية فهو مشتركة لَا للقدر المشترك، وجعل البيانيون هذا من القول الموجب، وهو تسليم الدليل مع بقاء الخلاف بعده، كما كان قبله وهو من القسم الثالث فيه، والصواب أنه من قلب النكتة، وهو تعليق دعوى المعترض على عين دليل المستدل، لأنه لم يبق خلاف هنا، بل دعواهم أن الأعز يخرج الأذل صحيح، وهم الأذلاء ونحن الأعزة.
قوله تعالى: (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) .