وإن كان على القوة والشدة، فقد كان ذلك للمؤمنين؛ لأنه لو لم يوجد ذلك للمؤمنين لم يكن أهل النفاق يظهرون الوفاق للمؤمنين، ولكنهم لما رأوا القوة والشدة للمؤمنين مرة، وللكفار أخرى - أظهروا الموافقة للفريقين جميعًا؛ ولذلك قال ذلك المنافق: قوله تعالى: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) ؛ لأنه لما رأى العزة والشدة للكافرين يوم أحد، توهم أنهم يغلبونهم أبدًا؛ فأظهر النفاق، وقال عند ذلك: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) ، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) ، واختلف فيه:
فمنهم من قال: هذه الآية في المنافقين.
ومنهم من قال: في المؤمنين.
فإن كانت في المنافقين، فكأنه يقول؛ يا أيها الذين أظهرتم بلسانكم الإيمان، لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر اللَّه.
وإن كان في المؤمنين، فكأنه قال: يا أيها الذين حققوا الإيمان، لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر اللَّه.
ثم اختلفوا في معنى ذكر اللَّه:
فمنهم من قال: معناه القرآن على مثال قوله: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا. رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ...) ، يعني: قرآنا ورسولا.
ومنهم من قال: معنى الذكر التوحيد.
فإن كان تأويله القرآن، فهو يتوجه إلى المنافقين والمؤمنين جميعًا، فإن كان في المنافقين فكأنه قال: لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن النظر والتأمل في القرآن؛ لأن الله تعالى بين في القرآن أمورًا تطهر سرائرهم وما يظهر عندهم أن الرسول لا يختلقه من تلقاء نفسه، وأنه إنما يقوله بالوحي، فكأنه يقول: إذا تأملتم النظر في القرآن، حملكم ذلك على التحقيق في الإيمان، فلا يحملكم حب المال والولد على ترك التأمل في القرآن؛ لأنكم إذا نظرتم فيه، وتأملتم، حصلتم منه على تحقيق الإيمان، واللَّه أعلم.