هذا، وللقدماء توجيه آخر يختلف بعض الشيء عن توجيهي، إذ يقولون إن"أكُنْ"قد جُزِمَتْ عطفاً على موضع"فأصَّدَّقَ"على أساس أن تقدير الكلام هو:"إن تؤخرني أصَّدَّقْ". وهو توجيه مشكور ومقدور، لكن ما قلتُه يذهب إلى الهدف مباشرة دون التعريج هنا أو ههنا، علاوة على أني شفعته بالمغزى الذي أحسب أن الآية قد أرادت الإيماء إليه ولم أسَّقْه مجرداً كما فعل أجدادنا، - رضي الله عنهم - وأثابهم على جهودهم وسبْقهم. وتتمةً لهذا المبحث نقول لمن يريد أن يتعلم ويفهم إن طريق الإعراب، وبخاصة قبل جمع اللغة وتدوينها، أوسع كثيراً مما يُظَنّ: فمثلاً في قولنا:"لا تأكل السمك وتشرب اللبن"نجد أن الفعل"تشرب"يجوز فيه الرفع والنصب والجزم، وفي قولنا:"لا حول ور قوة إلا بالله"يجوز في إعراب اسم"لا"والمعطوف عليه عدد من الصُّور تزيد على عدد أصابع اليد، وفي قولنا:"ما كلُّ ما يلمع ذهباً"يجوز رفع الخبر ونصبه ... وهكذا، إلا أن المحدودي الأفق يتفلحسون فيوقعون أنفسهم في المعاطب! وبالمناسبة فثَمً قراءة أخرى بنصب"أكون"، وكلتا القراءتين عربية بليغة، وكل ما في الأمر أن لكل منهما مغزى غير الذي للأخرى. انتهى انتهى {عصمةُ القرآنِ الكريمِ وجهالاتُ الْمُبَشِّرِينَ، للدكتور/ إبراهيم عوض} ...