وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ السَّعْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ فَهُوَ أَفْضَلُ ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
فِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَبَا عِيسَى بْنَ جُبَيْرٍ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ يَمْشِي إلَى الْجُمُعَةِ رَاجِلًا.
وَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَلَى النَّارِ.
فَذَلِكَ فَضْلٌ وَأَجْرٌ لَا شَرْطٌ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ الْعَمَلُ فَأَعْمَالُ الْجُمُعَةِ هِيَ: الِاغْتِسَالُ ، وَالتَّمَشُّطُ ، وَالِادِّهَانُ ، وَالتَّطَيُّبُ ، وَالتَّزَيُّنُ بِاللِّبَاسِ ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَحَادِيثُ بَيَانُهَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ؛ وَظَاهِرُ الْآيَةِ وُجُوبُ الْجَمِيعِ ، لَكِنَّ أَدِلَّةَ الِاسْتِحْبَابِ
ظَهَرَتْ عَلَى أَدِلَّةِ الْوُجُوبِ ، فَقَضَى بِهَا حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى: {إلَى ذِكْرِ اللَّهِ} : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ الْخُطْبَةُ ؛ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ الصَّلَاةُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ [وَاجِبٌ] الْجَمِيعُ أَوَّلُهُ الْخُطْبَةُ ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عَقِبَ النِّدَاءِ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْخُطْبَةِ ، وَبِهِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا ، إلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ الْمَاجِشُونِ فَإِنَّهُ رَآهَا سُنَّةً.
وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهَا أَنَّهَا تُحَرِّمُ الْبَيْعَ ، وَلَوْلَا وُجُوبُهَا مَا حَرَّمَتْهُ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لَا يُحَرِّمُ الْمُبَاحَ.