قوله: {والإيمان} فيه أوجهٌ ، أحدُها: أنه ضُمِّنَ"تَبَوَّؤوا"معنى لزِموا ، فيَصِحُّ عَطْفُ الإِيمان عليه ؛ إذ الإيمانُ لا يُتَبَوَّأ . والثاني: أنه منصوبٌ بمقدرٍ ، أي: واعتقدوا ، أو وأَلِفوا ، أو وأحَبُّوا . الثالث: أن يُتَجَوَّز في الإِيمان فيُجْعَلَ لاختلاطِه بهم وثباتِهم عليه كالمكانِ المُحيطِ بهم ، فكأنَّهم نَزَلوه ، وعلى هذا فيكونُ جَمَعَ بين الحقيقةِ والمجازِ في كلمةٍ واحدةٍ ، وفيه خلافٌ مشهورٌ . الرابع: أَنْ يكونَ الأصلُ: / دارَ الهجرة ودارَ الإِيمان ، فأقامَ لامَ التعريفِ في الدار مُقام المضافِ إليه ، وحَذَفَ المضافَ مِنْ دار الإِيمان ، ووَضَعَ المضافَ إليه مَقامه . الخامسُ . أَنْ يكونَ سَمَّى المدينة لأنَّها دارُ الهجرة ومكانُ ظهورِ الإِيمان بالإِيمان ، قال هذين الوجهَيْنِ الزمخشريُّ ، وليس فيه إلاَّ قيامُ أل مَقامَ المضافِ إليه ، وهو مَحَلُّ نَظَر ، وإنما يُعْرَفُ الخلافُ: هل تقوم أل مَقامَ الضميرِ المضاف إليه؟ الكوفيون يُجيزونه كقولِه تعالى: {فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى} [النازعات: 39] ، أي: مَأْواه ، والبصريون يمنعونه ويقولون: الضميرُ محذوفٌ ، أي: المَأْوى له وقد تقدَّمَ تحريرُ هذا . أمَّا كونُها عِوَضاً من المضاف إليه فلا نَعْرِفُ فيه خلافاً .
السادس: أنَّه مصنوبٌ على المفعولِ معه ، أي: مع الإِيمان معاً ، قاله ابن عطية ، وقال:"وبهذا الاقترانِ يَصِحُّ معنى قولِه"مِنْ قبلهم"فتأمَّلْه"قلت: وقد شَرَطوا في المفعول معه أنَّه يجوز عَطْفُه على ما قبلَه حتى جَعَلوا قولَه {فأجمعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ} مِنْ بابِ إضمار الفعل لأنَّه لا يُقال: أجمعتُ شركائي إنما يقال جَمَعْتُ ، وقد تقدَّم القولُ في ذلك ولله الحمد مشبعاً .