"قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمَّا فَتَحَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْعِرَاقَ سَأَلَهُ قَوْمٌ مِنْ الصَّحَابَةِ قِسْمَتَهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ ، مِنْهُمْ الزُّبَيْرُ وَبِلَالٌ وَغَيْرُهُمَا ، فَقَالَ: إنْ قَسَمْتهَا بَيْنَهُمْ بَقِيَ آخِرُ النَّاسِ لَا شَيْءَ لَهُمْ ؛ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ إلَى قَوْلِهِ: {وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} ، وَشَاوَرَ عَلِيًّا وَجَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْقِسْمَةِ ، وَأَنْ يُقِرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا وَيَضَعَ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ، وَوَافَقَتْهُ الْجَمَاعَةُ عِنْدَ احْتِجَاجِهِ بِالْآيَةِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ وَأَنَّهَا مَضْمُومَةٌ إلَى آيَةِ الْغَنِيمَةِ فِي الْأَرْضِينَ الْمُفْتَتَحَةِ ، فَإِنْ رَأَى قِسْمَتَهَا أَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَرَدَّ عَلَيْهِمْ قَسَمَ ، وَإِنْ رَأَى إقْرَارَ أَهْلِهَا عَلَيْهَا ، وَأَخْذَ الْخَرَاجِ مِنْهُمْ فِيهَا فَعَلَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ ثَابِتَةَ الْحُكْمِ فِي جَوَازِ أَخْذِ الْخَرَاجِ مِنْهَا حَتَّى يَسْتَوِيَ الْآخَرُ وَالْأَوَّلُ فِيهَا لَذَكَرُوهُ لَهُ وَأَخْبَرُوهُ بِنَسْخِهَا ، فَلَمَّا لَمْ يُحَاجُّوهُ بِالنَّسْخِ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِهَا"