فإن لفظ الحديث الذي رواه معمر عن الزهري الذي فيه (فهجرته فاطمة. . فوقع عند عمر بن شبه من وجه آخر عن معمر ونصه:(فلم تكلمه في ذلك المال) ليس فيه لفظ هجران ولا غضب ولا غيره.
وكذا نقل الترمذي عن بعض مشايخه أن معنى قول فاطمة لأبي بكر وعمر: (لا أكلمكما) أي: في هذا الميراث.
قلت: وهذا شبيه بقولها -رضي اللَّه عنها- في قصة عائشة مع نساء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (واللَّه لا أكلمه فيها أبدًا) فلا يفهم من هذا أنها خاصمت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
2 -بينت روايات خارج البخاري (3) (فغضبت فاطمة وهجرته ولم تكلمه حتى ماتت.
إلخ الكلام الطويل: أنه مدرج من كلام الزهري وليس من نص الحديث. وقد نص البيهقي على أن الزهري أدرج في هذا الحديث.
3 -وذكر أن البيهقي روى من طريق الشعبي بسنده أنه قال: لما مرضت فاطمة أتاها
أبو بكر الصديق، فاستأذن عليها، فقال علي: يا فاطمة، هذا أبو بكر الصديق يستأذن عليك؟ فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها يترضاها، فقال: واللَّه ما تركت الدار والمال، والأهل والعشيرة، إلا ابتغاء مرضاة اللَّه، ومرضاة رسوله، ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضاها حتى رضيت.
قال ابن كثير -رحمه اللَّه-: وهذا إسناد جيد قوي والظاهر أن عامر الشعبي سمعه من علي أو ممن سمعه من علي.
قال الحافظ ابن حجر: إسناده إلى الشعبي صحيح، وبه يزول الإشكال في جواز تمادي فاطمة على هجر أبي بكر.
فائدة حديثية: اتفق المحدثون على أن مراسيل الزهري واهية شبه الريح (4) ، وباتفاقهم أن مراسيل الشعبي أقوى من ذلك، فمن أراد أن يحتج بمرسل الزهري لزمه الاحتجاج بمرسل الشعبي من باب الأولى، مع أن مرسل الزهري لم يثبت أصلًا.
وحديث عائشة في البخاري (أن فاطمة ماتت وهي غاضبة عليه) لا ينافي هذا الحديث فإن عائشة -رضي اللَّه عنها- حدثت بما علمت وبحسب علمها ومعرفتها وفي رواية الشعبي زيادة علم وثبوت زيارة أبي بكر لها وكلامها له ورضاها عنه.