والعقل يقطع بأنه لا مناص من القول بتخطئة إحدى الطائفتين المتقاتلتين اللتين وقع فيهما مئات القتلى، ولاشك أن عائشة -رضي اللَّه عنها- هي المخطئة؛ لأسباب كثيرة وأدلة واضحة، منها ندمها على خروجها، وذلك هو اللائق بفضلها وكمالها، وذلك مما يدل على أن خطأها من الخطأ المغفور، بل المأجور.
قال الإمام الزيلعي في نصب الراية: وقد أظهرت عائشة الندم كما أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب عن ابن أبي عتيق -عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق- قال: قالت عائشة -رضي اللَّه عنها- لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن تنهاني عن مسيري؟ قال: رأيت رجلًا غلب عليك -يعني ابن الزبير- فقالت: أما واللَّه لو نهيتني ما خرجت.
قال الشيخ الألباني: ولهذا الأثر طرق أخرى، فقال الذهبي في السير: عن قيس قال: قالت عائشة، وكانت تحدث نفسها أن تدفن في بيتها فقالت: إني قد أحدثت بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حدثًا، ادفنوني مع أزواجه، فدفنت بالبقيع -رضي اللَّه عنها-، قلت -أي الذهبي-: تعني بالحدث مسيرها يوم الجمل، فإنها ندمت ندامة كلية وتابت من ذلك، على أنها ما فعلت ذلك إلا متأولة، قاصدة للخير، كما اجتهد طلحة والزبير وجماعة من كبار الصحابة -رضي اللَّه عن الجميع-.
يقول شيخ الإسلام: إن عائشة لم تخرج للقتال، وإنما خرجت بقصد الإصلاح بين الناس وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها، وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال فندم طلحة والزبير رضي اللَّه عنهم أجمعين.