يَقُولُ: نَشَأْتُ يَتِيمًا، وَهَاجَرْتُ مِسْكِينًا، وَكُنْتُ أَجِيرًا لابْنَةِ غَزْوَانَ بِطَعَامِ بطني وَعُقْبَةِ رجلي أَحْطِبْ لَهُمْ إِذَا نَزَلُوا، وَأَحْدُو لَهُمْ إِذَا رَكِبُوا، فَالحمْدُ للهَ الذي جَعَلَ الدِّينَ قِوَامًا، وَجَعَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ إِمَامًا. وفي الإصابة أن بسرة هذه أخت عتبةَ بن غزوان السلمي، وبلاد دوس بعيدة جدًّا عن بلاد بني سليم فيظهر أن أبا هريرة في هجرته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مر ببلاد بني سليم أو قريبًا منها، فوجد رفقة راحلين نحو المدينة وفيهم بسرة، فصحبهم على أن يخدمهم في الطريق ويطعموه ويعقبوه.
ولا يدفع هذا ما ثبت من قوله: لمَّا قَدِمْتُ عَلَى النبي - صلى الله عليه وسلم - قُلْتُ في الطَّرِيقِ:
يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا ... عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ
وَأَبَقَ غُلَامٌ لي في الطَّرِيقِ، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلَى النبي - صلى الله عليه وسلم - فَبَايَعْتُهُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لي النبي - صلى الله عليه وسلم:"يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلامُكَ". فَقُلْتُ هُوَ لِوَجْهِ الله تَعَالَى، فَأَعْتَقْتُهُ.
فقد يكون الغلام أَبِق منه قبل صحبته للرفقة، وبهذا تبين أن في القصة منقبتين له:
الأولى: أن إخدامه لنفسه إنما كان ليبلغ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ودار الإسلام.
والثانية: أنه مع قلة ذات يده أعتق غلامه، شكرًا لله تعالى على إبلاغه مقصده، وفي القصة عبرة بالغة، فإنه لما أذل نفسه بخدمة تلك المرأة استعانة على الهجرة في سبيل الله عوضه الله تعالى بأن زوجه إياها تخدمه فوق ما خدمها، ثم كان على طريقته في التواضع والتحدث بالنعمة والاعتبار مع الميل إلى المزاح يذكر هذه القصة ويشير إلى تكليف امرأته بخدمته على نحو ما كانت تكلفه، وقد يكون وقع منه ذلك مرة أو مرتين على سبيل المزاح ومداعبة الأهل وتحقيق العبرة.
الشبهة الثالثة: طعنهم في إكثار أبي هريرة من الرواية.
يرى البعض أن كثرة رواياته مع قصر مدة صحبته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر يدعو إلى الشك في صحتها.