الرواية الثانية: عن ذكوان مولى عائشة قال: لما أجمع معاوية أن يبايع لابنه يزيد حج فقدم مكة في نحو من ألف رجل فلما دنا من المدينة خرج ابن عمر، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر. فلما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر ابنه يزيد قال: من أحق بهذا الأمر منه؟ ثم ارتحل فقدم مكة فقضى طوافه ودخل منزله. فبعث إلى ابن عمر فتشهد، وقال: أما بعد، يا بن عمر فإنك قد كنت تحدثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك أمير، وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وأن تسعى في فساد ذات بينهم فلما سكت تكلم ابن عمر فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإنه قد
كانت قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم فلم يروا في أبنائهم ما رأيت أنت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حين عملوا الخيار. وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا رجل منهم قال: يرحمك الله. فخرج ابن عمر، وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر فتشهد، وأخذ في الكلام فقطع عليه كلامه فقال: إنك والله لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله وإنا والله لا نفعل والله لتردن هذا الأمر شورى في المسلمين، أو لنردنها عليك جذعة ثم وثب، فقال معاوية: اللهم اكفنيه بما شئت ثم قال: على رسلك أيها الرجل لا تشرفن بأهل الشام فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك حتى أخبر العشية أنك قد بايعت ثم كن بعد على ما بدا من أمرك.
ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال: يا بن الزبير إنما أنت ثعلب رواغ كلما خرج من جحر دخل آخر وإنك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما، وحملتهما على غير رأيهما فتكلم ابن الزبير فقال: إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها وهلم ابنك فلنبايعه أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكما نسمع لأيكما نطيع؟ لا نجمع البيعة لكما والله أبدًا ثم قام.
فراح معاوية فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذوات عوار زعموا أن ابن عمر، وابن الزبير، وابن أبي بكر الصديق لم يبايعوا يزيدًا. قد سمعوا وأطاعوا، وبايعوا له.