قال ابن القيم رحمه الله: الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، ويضر في موضع فينفع إذا احتج به بعد وقوعه، والتوبة منه، وترك معاودته كما فعل آدم فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد، ومعرفة أسماء الرب وصفاته، وذكرها ما ينتفع به الذاكر، والسامع لأنه لا يدفع بالقدر أمرًا ولا نهيًا، ولا يبطل به شريعة بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة يوضحه أن آدم قال لموسى أتلومني على أن عملت عملًا كان مكتوبا علي قبل أن أخلق فإذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى
كأن لم يكن فأنَّبه مؤنِّب عليه ولامه، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول هذا أمر كان قد قدر على قبل أن أخلق فإنه لم يدفع بالقدر حقا، ولا ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به، وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلا محرمًا أو يترك واجبًا فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به حقًّا ويرتكب باطلًا كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، ... ثم قال: ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعا فالاحتجاج بالقدر باطل.
ونحن نقول إن اللوم مرفوع عن معاوية من وجهين:
الأول: أنه مجتهد لم يعلم أنه أخطأ ولو علم لرجع.
الثاني: أنه مات فما فائدة اللوم بعدما مات؟ فلم يكن أمامنا إلا التسليم بالقدر.
3 -ومما يؤكد أن الأمر قدري ولابد من حدوثه إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - به على وجه العموم كما في حديث سفينة - رضي الله عنه: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء أو ملكه من يشاء".
وعن النعمان بن بشير قال - صلى الله عليه وسلم:"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا"