الدليل الخامس: أنه قد ثبت وجوبها عن ابن مسعود, وابن عمر, وأبي مسعود الأنصاري, وقد تقدم ذلك, ولم يحفظ عن أحد من الصحابة أنه قال: لا تجب, وقول الصحابي إذا لم يخالفه عيره حجة, ولاسيما على أصول أهل المدينة والعراق.
الدليل السادس: أن هذا عمل الناس من عهد نبيهم إلى الآن, ولو كانت الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم غير واجبة لم يكن اتفاق الأمة في سائر الأمصار والأعصار على قولها في التشهد وترك الإخلال بها ، وقد قال مقاتل بن حيان في تفسيره في قوله عز وجل: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ} المائدة: الآية55 ، قال: إقامتها المحافظة عليها وعلى أوقاتها ، والقيام فيها والركوع والسجود ، والتشهد ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير ، وقد قال الإمام أحمد: الناس في التفسير عيال على مقاتل. قالوا: فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة من إقامتها المأمور بها ، فتكون واجبة, وقد تمسك أصحاب هذا القول بأقيسة لا حاجة إلى ذكرها.
قالوا: ثم نقول لمنازعينا: ما منكم إلا من أوجب في الصلاة أشياء بدون هذه الأدلة ، هذا أبو حنيفة يقول بوجوب الوتر ، وأين أدلة وجوبه من أدلة وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, ويوجب الوضوء على من قهقهة في صلاته بحديث مرسل لا يقاوم أدلتنا في هذه المسألة ، ويوجب الوضوء من القيء ، والرعاف ، والحجامة ، ونحوها ، بأدلة لا تقاوم أدلة هذه المسألة.
ومالك يقول: إن في الصلاة أشياء بين الفرض والمستحب ليست بفرض ، وهي فوق الفضيلة والمستحبة يسميها أصحابه سنناً, كقراءة سورة مع الفاتحة ، وتكبيرات الانتقال ، والجلسة الأولى ، والجهر والمخافتة ، ويوجبون السجود في تركها على تفصيل لهم فيه.
وأحمد رحمه الله تعالى يسمي هذه واجبات ، ويوجب السجود لتركها سهواً.
فإيجاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إن لم يكن أقوى من إيجاب كثير من هذه فليست دونها.
فهذا ما احتج به الفريقان في هذه المسألة.