وأما قوله: قد شنع الناس المسألة على الشافعي جداً ، فيا سبحان الله! أي شناعة عليه في هذه المسألة؟ وهل هي إلا من محاسن مذهبه؟ ثم لا يستحي المشنع عليه مثل هذه المسألة من السائل التي شنعتها ظاهرة جداً ، يعرفها من عرفها من المسائل التي تخالف النصوص ، أو تخالف الإجماع السابق, أو القياس أو المصلحة الراجحة؟ ولو تتبعت لبلغت مئين ، وليس تتبع المسائل المستشنعة من عادة أهل العلم فيقتدى بهم في ذكرها وعدها ، والمنصف خصم نفسه. فأي كتاب خالف الشافعي في هذه المسألة؟ أم أي سنة؟ أم أي إجماع؟ ولأجل أن قال قولاً اقتضته الأدلة وقامت على صحته ، وهو من تمام الصلاة بلا خلاف, أما إتمام واجباتها أو تمام مستحباتها ، فهو رضي الله عنه رأى أنه من تمام واجباتها بالأدلة التي سنذكرها فيما بعد ذلك, فلا إجماعاً خرقه ، ولا نصاً خالفه ، فمن أي وجه يشنع عليه؟ وهل الشناعة إلا بمن شنع عليه أليق وبه ألحق؟.
وأما قوله: وهذا تشهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي اختاره الشافعي ، وهو الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم إياه... إلى آخره.
فهكذا رأيته في النسخة الذي اختاره الشافعي ، والشافعي إنما اختار تشهد ابن عباس ، أما تشهد ابن مسعود رضي الله عنه ، فأبو حنيفة وأحمد اختاراه ، ومالك اختار تشهد عمر ، وبالجملة فجواب ذلك من وجوه:
أحدها: أنا نقول بموجب هذا الدليل ، فإن مقتضاه وجوب التشهد ، ولا ينفي وجوب غيره ، فإنه لم يقل أحد: إن هذا التشهد هو جميع الواجب من الذكر في هذه القعدة ، فإيجاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بدليل آخر لا يكون معارضاً بترك تعليمه في أحاديث التشهد.
الثاني: أنكم توجبون السلام من الصلاة ولم يعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم إياه في أحاديث التشهد.