ومن أبلغ الدلائل على نبوة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - عصمته من أعدائه، وهم الجمّ الغفير والعدد الكثير، وهُم على أتَمِّ حَنَقٍ عليه، وأشدِّ طلبٍ لنفيه، وهو بينهم مسترسلٌ قاهرٌ، ولهم مُخَالطٌ ومُكاثِرٌ، ترمقه أبصارُهم شَزَرًا، وترتدُّ عنه أيديهم ذُعرًا، وقد هاجر عنه أصحابُه حذرًا، حتى استكمل مدته فيهم ثلاثَ عشرةَ سنةً، ثم خرج عنهم سليمًا لم يُكلَم في نفسٍ ولا جسدٍ، وما كان ذاك إلا بعصمة إلهية وعده الله تعالى بها فحقّقها"."
فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت:"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُحرس حتى نزلت هذه الآية {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] فأخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه من القُبَّة فقال لهم: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله".
أي: بلِّغ أنت رسالتي، وأنا حافظُكَ وناصرُكَ، ومؤيِّدُكَ على أعدائكَ، ومظفركَ بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحدٌ منهم إليك بسوءٍ يؤذيك. . . ."."
ومن عصمة الله - عز وجل - لرسوله حفْظُه له من أهل مكة وصناديدها وحُسَّادها ومُعَانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبَغْضة ونصب المحاربة له ليلا ونهارًا، بما يخلقه الله تعالى من الأسباب العظيمة بقَدَره وحكمته العظيمة. فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبةً طبيعيةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا شرعيةً، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كُفّارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون أذىً يسيرًا، ثم قيض الله - عز وجل - له الأنصار فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم - وهي المدينة، فلما صار إليها حَمَوْه من الأحمر والأسود، فكلما همَّ أحدٌ من المشركين وأهلِ الكتاب بسوء كاده الله وردّ كيده عليه، لما كاده اليهود بالسحر حماه الله منهم، وأنزلى عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سمّ اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله به وحماه الله منه؛ ولهذا أشباه كثيرة جدًا يطول ذكرها"."