وبيّن الله تعالى أن نبيه عليه الصلاة والسلام سيموت كما يموت غيره من الأحياء حينما نزلت عليه آيات إعلان الوداع، قال تعالى:"إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ" [الزمر: 30] ، وقال:"وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ" [آل عمران: 144] . ثم مات صلى الله عليه وسلم كما يموت كل حي من المخلوقين. عن أنس قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه، فقالت فاطمة عليها السلام: واكرب أباه! فقال لها: (ليس على أبيك كرب بعد اليوم) . فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه يا أبتاه مَن جنةُ الفردوسِ مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه [8] .
نعم، لقد مات رسول الله - يا عباد الله - ولكن لم يمت دينه ولن يموت وقد وعد الله بإظهاره على الدين كله، ولم يمت هديه الذي مازال يهدي الناس في كل زمان ومكان.
قال حسان رضي الله عنه:
فَبَيْنَا هُمُ في ذلكَ النّورِ إذْ غَدَا ... إلى نُورِهِمْ سَهْمٌ من المَوْتِ مُقصِدُ
فأصبحَ محموداً إلى اللهِ راجعا ... يبكّيهِ جفنُ المرسلاتِ ويحمدُ
وأمستْ بِلادُ الحَرْم وَحشاً بقاعُها ... لِغَيْبَةِ ما كانَتْ منَ الوَحْيِ تعهدُ
فَبَكّي رَسولَ الله يا عَينُ عَبْرَة ... ولا أعرفنْكِ الدهرَ دمعكِ يجمدُ
ومالكِ لا تبكينَ ذا النعمةِ التي ... على الناسِ منها سابغٌ يتغمدُ
فَجُودي عَلَيْهِ بالدّموعِ وأعْوِلي ... لفقدِ الذي لا مثلهُ الدهرِ يوجدُ
وَمَا فَقَدَ الماضُونَ مِثْلَ مُحَمّد ... ولا مثلهُ حتى القيامةِ يُفقدُ
أعفَّ وأوفى ذمةً بعدَ ذمة ... وأقْرَبَ مِنْهُ نائِلاً لا يُنَكَّدُ
وأكرمَ حياً في البيوتِ إذا انتمى ... وأكرمَ جداً أبطحياً يسوّدُ
وأثْبَتَ فَرْعاً في الفُرُوعِ وَمَنْبِتا ... وَعُوداً غَداة َ المُزْنِ فالعُودُ أغيَدُ
معَ المصطفى أرجو بذاكَ جواره ... وفي نيلِ ذاك اليومِ أسعى وأجهدُ [9] .