يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَأَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنَ اجْتِنَابِ الرِّجْسِ مِنَ الْأَوْثَانِ , وَاجْتِنَابِ قَوْلِ الزُّورِ، حُنَفَاءَ لِلَّهِ، وَتَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ، وَهُوَ اسْتِحْسَانُ الْبُدْنِ , وَاسْتِسْمَانُهَا , وَأَدَاءُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، مِنْ تَقْوَى قُلُوبِكُمْ.
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى، قَالَ:"الْوقُوفُ بِعَرَفَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، وَبِجَمْعٍ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، وَرَمْي الْجِمَارِ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، وَالْبُدْنُ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، وَمَنْ يُعَظِّمْهَا فَإِنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} فَمَنْ يُعَظِّمْهَا فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ."
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"الشَّعَائِرُ: الْجِمَارُ، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةُ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ وَالْمُزْدَلِفَةُ , قَالَ: وَالشَّعَائِرُ تَدْخُلُ فِي الْحَرَمِ، هِيَ شَعَائِرُ، وَهِيَ حَرَمٌ."
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ تَعْظِيمَ شَعَائِرِهِ، وَهِيَ مَا جَعَلَهُ أَعْلَامًا لِخَلْقِهِ فِيمَا تعَبَّدَهُمْ بِهِ مِنْ مَنَاسِكِ حَجِّهِمْ، مِنَ الْأَمَاكِنِ الَّتِي أَمَرَهُمْ بِأَدَاءِ مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا عِنْدَهَا , وَالْأَعْمَالِ الَّتِي أَلْزَمُهُمْ عَمَلَهَا فِي حَجِّهِمْ: مِنْ تَقْوَى قُلُوبِهِمْ , لَمْ يُخَصِّصْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَتَعْظِيمُ كُلِّ ذَلِكَ مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , وَحَقٌّ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ تَعْظِيمُ جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَقَالَ: {إِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} وَأَنَّثَ وَلَمْ يَقُلْ: (فَإِنَّهُ) ، لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِذَلِكَ: فَإِنَّ تِلْكَ التَّعْظِيمَةَ مَعَ اجْتِنَابِ الرِّجْسِ مِنَ الْأَوْثَانِ مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} .
وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ: {فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} فَإِنَّهَا مِنْ وَجَلِ الْقُلُوبِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَحَقِيقَةِ مَعْرِفَتِهَا بِعَظَمَتِهِ , وَإِخْلَاصِ تَوْحِيدِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) }