وقد تقدّم بيان حقيقة المسكين وابن السبيل في البقرة ، وفي التوبة ، والمراد في هذه الآية التصدّق عليهما بما بلغت إليه القدرة من صدقة النفل ، أو مما فرضه الله لهما من صدقة الفرض ، فإنهما من الأصناف الثمانية التي هي مصرف الزكاة.
ثم لما أمر سبحانه بما أمر به ها هنا ، نهى عن التبذير فقال: {وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا} التبذير: تفريق المال كما يفرّق البذر كيفما كان من غير تعمد لمواقعه ، وهو الإسراف المذموم لمجاوزته للحدّ المستحسن شرعاً في الإنفاق ، أو هو الإنفاق في غير الحق ، وإن كان يسيراً.
قال الشافعي: التبذير: إنفاق المال في غير حقه ، ولا تبذير في عمل الخير.
قال القرطبيّ بعد حكايته القول الشافعي هذا: وهذا قول الجمهور.
قال أشهب عن مالك: التبذير هو أخذ المال من حقه ، ووضعه في غير حقه ، وهو الإسراف ، وهو حرام لقوله: {إِنَّ المبذرين كَانُواْ إخوان الشياطين} فإن هذه الجملة تعليل للنهي عن التبذير ، والمراد بالأخوة الممائلة التامة ، وتجنب مماثلة الشيطان ولو في خصلة واحدة من خصاله واجب ، فكيف فيما هو أعمّ من ذلك كما يدلّ عليه إطلاق المماثلة ، والإسراف في الإنفاق من عمل الشيطان ، فإذا فعله أحد من بني آدم فقد أطاع الشيطان واقتدى به {وَكَانَ الشيطان لِرَبّهِ كَفُورًا} أي: كثير الكفران عظيم التمرّد عن الحق ، لأنه مع كفره لا يعمل إلاّ شراً ، ولا يأمر إلاّ بعمل الشرّ ، ولا يوسوس إلاّ بما لا خير فيه.
وفي هذه الآية تسجيل على المبذرين بمماثلة الشياطين ، ثم التسجيل على جنس الشيطان بأنه كفور ، فاقتضى ذلك أن المنذر مماثل للشيطان ، وكل مماثل للشيطان له حكم الشيطان ، وكل شيطان كفور ، فالمبذر كفور.