هذا هو ما أدين الله عليه بالنسبة لكلام الصوفية، وعذرى فِي ذلك أنى لم أسلك مسلك القوم، ولم أذق ذوقهم، ولم أعرف اصطلاحاتهم التي يصطلحون عليها، ولعلِّى إذا سلكت هذا الطريق، وانكشف لي من أستار الغيب ما انكشف لهم، أو على الأقل فهمت لغة القوم ووقفت على مصطلحاتهم. لعلِّى إذا حصل لي شيء من هذا تبدَّل رأيى وتغير حكمى، فسلَّمت لهم كل ما يقولون به، مهما كان بعيداً وغريباً. وقد سأل رجل بعض العلماء أن يقرأ عليه تائية ابن الفارض فقال له:"دع هذا، مَن جاع جوع القوم وسهر سهرهم رأى ما رأوا".
يقولون: إنهم يدركون بعض المعاني بعين اليقين، وما مَن شأنه أن يُدرَك بعين اليقين لا يمكن أن يُدرَك بعلم اليقين، إذن فلا بد لمن يريد أن يحكم على القوم حكماً صحيحاً أن يجتهد فِي الوصول إلى ما وصلوا إليه بالعيان، دون أن يطلبه عن طريق البيان، فإنه طور وراء طور العقل، والشاعر يقول:
*علم التصوف علم ليس يعرفه * إلا أخو فطنة بالحق معروف*
*وليس يعرفه مَن ليس يشهده * وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف*
ويقول ابن خلدون:"وليس البرهان والدليل بنافع فِي هذه الطريق رداً وقبولاً، إذ هي من قبيل الوجدانيات".
ويقول الآلوسي فِي مقدمة تفسيره (الجزء الأول ص 8) :"فالإنصاف كل الإنصاف التسليم للسادة الصوفية الذين هم مركز الدائرة المحمدية ما هم عليه، واتهام ذهنك السقيم فيما لم يصل - لكثرة العوائق - إليه:"
*وإذا لم تر الهلال فسلِّم * لأناس رأوه بالأبصار*