ولو كان علماء الرسوم ينصفون، لاعتبروا فِي نفوسهم إذا نظروا فِي الآية بالعين الظاهرة التي يسلمونها فيما بينهم، فيرون أنهم يتفاضلون فِي ذلك، ويعلو بعضهم على بعض فِي الكلام فِي معنى تلك الآية، ويقر القاصر بفضل غير القاصر فيها، وكلهم فِي مجرى واحد. ومع هذا الفضل المشهود لهم فيما بينهم فِي ذلك. ينكرون على أهل الله إذا جاءوا بشيء مما يغمض عن إدراكهم، وذلك لأنهم يعتقدون فيهم أنهم ليسوا بعلماء، وأن العلم لا يحصل إلا بالتعلم المعتاد فِي العُرف، وصدقوا، فإن أصحابنا ما حصل لهم ذلك العلم إلا بالتعلم وهو الإعلام الرحمانى الربَّانى قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ، فإنه القائل: {أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} ، وقال تعالى: {خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ} .. فهو سبحانه مُعلِّم الإنسان، فلا شك أن أهل الله هم ورثة الرسل عليهم السلام، والله يقول فِي حق الرسول: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} ، وقال فِي حق عيسى: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ} ، وقال فِي حق خضر صاحب موسى عليهما السلام: {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} .. فصدق علماء الرسوم عندنا فيما قالوا: إن العلم لا يكون إلا بالتعلم، وأخطأوا فِي اعتقادهم أن الله لا يُعَلِّم مَن ليس بنب ولا رسول، يقول الله: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ} وهي العلم، وجاء بـ"مَن"وهي نكرة. ولكن علَماء الرسوم لما آثروا الدنيا على الآخرة، وآثروا جانب الخلق على جانب الحق، وتعوَّدوا أخذ العلم من الكتب ومن أفواه الرجال الذين من جنسهم، ورأوا فِي زعمهم أنهم من أهل الله بما علموا وامتازوا به عن العامة، حجبهم ذلك عن أن يعلموا أن لله