إن كان الثاني .. فالتوقف عن اعتباره فِي فهم باطن القرآن لازم، وأخذه على إطلاقه فيه ممتنع، لأنه بخلاف الأول، فلا يصح القول باعتباره فِي فهم القرآن، فنقول:
إن تلك الأنظار الباطنة فِي القرآن فِي الآيات المذكورة - يريد: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ} وما ذكره معها - مما تقدم لنا ذكره - إذا لم يظهر جريانها على مقتضى الشروط المتقدمة فهي راجعة إلى الاعتبار غير القرآني وهو الوجودى ويصح تنزيله على معاني القرآن لأنه وجودى أيضاً. فهو مشترك من تلك الجهة غير خاص، فلا يطالب فيه المعتبر بشاهد موافق إلا ما يطلبه المربى، وهو أمر خاص، منفرد بنفسه، لا يختص بهذا الموضع. فلذلك يُوقف على محله، فكون القلب جاراً ذا قُربى، والجار الجُنُب هو النفس الطبيعى .. إلى سائر ما ذكر، يصح تنزيله اعتبارياً مطلقاً، فإن مقابلة الوجود بعضه ببعض فِي هذا النمط صحيح وسهل جداً عند أربابه، غير أنه مغرر بمن ليس براسخ أو داخل تحت إيالة راسخ.
وأيضاً فإن مَن ذُكر عنه مثل ذلك من المعتبرين لم يصرِّح بأنه المعنى المقصود المخاطَب به الخلق، بل أجراه مجراه وسكت عن كونه هو المراد، وإن جاء شيء من ذلك وصرَّح صاحبه أنه هو المراد، فهو من أرباب الأحوال الذين لا يفرقون بين الاعتبار القرآني والوجودى، وأكثر ما يطرأ هذا لمن هو بعد فِي السلوك، سائر على الطريق، لم يتحقق بمطلوبه. ولا اعتبار بقول مَن لم يثبت اعتبار قوله من الباطنية وغيرهم"."
فالشاطبي - رحمه الله - يقرر فِي كلامه هذا: أن مثل هذا النوع الأخير من كلام الصوفية راجع إلى الاعتبار غير القرآني، ومع ذلك فيمكن تنزيله على معاني القرآن، كما أنه يقرر: أن مَن قال هذا لم يُذكر عنه أنه قاله على أنه تفسير للآية وبيان للمقصود منها، وهذا من حسن ظنه بالقوم.