قال الطبري: وإنما تركنا القول بهذا في تأويل ذلك, لأنه لا خبر عندنا بالذي قالوه من وجه يَقطعُ مجيئُه العذرَ، ويُلزمُ سامِعَه به الحجة، والخبر عما مضى وما قد سلف لا يُدرك علمُ صحته إلا بمجيئه مجيئًا يمتنع مَعه التشاغب والتواطؤ، ويستحيل مَعه الكذب والخطأ والسهو.
وقال صاحب المنار: وليس لهم في الإسلام سند يحتج به على هذه القصص.
القول الثالث: وإنما ظنوا هذا الظن بهذا المخلوق من جهة ما استشعروه من صفات هذا المخلوق المستخلف بإدراكهم النورراني لهيئة تكوينه الجسدية، والعقلية، والنطقية؛ إما بوصف الله لهم هذا الخليفة؛ أو برؤيتهم صورة تركيبه قبل نفخ الروح فيه وبعده، والأظهر أنهم رأوه بعد نفخ الروح فيه فعلموا أنه تركيب يستطيع صاحبه أن يخرج عن الجبلة إلى الاكتساب، وعن الامتثال إلى العصيان، فإن العقل يشتمل على شاهية، وغاضبة، وعاقلة، ومن مجموعها ومجموع بعضها تحصل تراكيب من التفكير نافعة وضارة، ثم إن القدرة التي في الجوارح
تستطيع تنفيذ كل ما يخطر للعقل وقواه أن يفعله، ثم إن النطق يستطيع إظهار خلاف الواقع وترويج الباطل؛ فيكون من أحوال ذلك فساد كبير، ومن أحواله أيضًا صلاح عظيم. وإن طبيعة استخدام ذي القوة لقواه قاضية بأنه سيأتي بكل ما تصلح له هذه القوى خيرها وشرها فيحصل فعل مختلط من صالح وسيء، ومجرد مشاهدة الملائكة لهذا المخلوق العجيب المراد جعله خليفة في الأرض كافٍ في إحاطتهم بما يشتمل عليه من عجائب الصفات على نحو ما سيظهر منها في الخارج؛ لأن مداركهم غاية في السمو لسلامتها من كدرات المادة، وإذا كان أفراد البشر يتفاوتون في الشعور بالخفيات، وفي توجه نورانية النفوس إلى المعلومات، وفي التوسم والتفرس في الذوات بمقدار تفاوتهم في صفات النفس جِبِلِّيَّة واكتسابية ولدنية التي أعلاها النبوة، في ظنك بالنفوس الملكية البحتة؟.