أحدهما: أن يكون (فما فوقها) بمعنى فما هو أكبر منها؛ لأن البعوضة غاية في الصغر، فيكون المعنى: أنه - عز وجل - لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بين هذا الشيء الذي هو نهاية الصغر إلى ما هو فوقه أي: ما زاد عليه وتجاوز.
والوجه الآخر: أن يكون (فما فوقها) بمعنى فما فوقها في الصغر، وهذا قول أبي العباس محمد بن يزيد المبرد وأبي إسحاق الزجاج والكسائي من قبلهما وأبي عبيدة وما أظن غير هؤلاء (من النحويين) يقول إلا مثل قولهم.
قال الزمخشري: فيه - أي في قوله"فما فوقها"- معنيان:
أحدهما: في تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلًا، وهو القلّة والحقارة، نحو قولك لمن يقول: فلان أسفل الناس وأنذلهم: هو فوق ذاك، تريد هو أبلغ وأعرق فيما وصف به من السفالة والنذالة.
والثاني: في زاد عليها في الحجم، كأنه قصد بذلك ردّ ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت؛ لأنهما أكبر من البعوضة، كما تقول لصاحبك - وقد ذمّ من عرفته يشح بأدنى شيء - فقال: فلان بخل بالدرهم والدرهمين: هو لا يبالي أن يبخل بنصف درهم فما فوقه تريد بما فوقه ما بخل فيه وهو الدرهم والدرهمان كأنك قلت: فضلًا عن الدرهم والدرهمين.