فعمر رضي الله عنه أدرك المعنى الإشاري: وهو نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقرَّه النبي على فهمه هذا .. وأما باقى الصحابة، فقد فرحوا بنزول الآية، لأنهم لم يفهموا أكثر من المعنى الظاهر لها.
هذه الأدلة مجتمعة تعطينا أن القرآن الكريم له ظهر وبطن .. ظهر يفهمه كل مَن يعرف اللِّسان العربي .. وبطن يفهمه أصحاب الموهبة وأرباب البصائر. غير أن المعاني الباطنية للقرآن لا تقف عند الحد الذي تصل إليه مداركنا القاصرة، بل هي أمر فوق ما نظن وأعظم مما نتصور. ولقد فهم ابن مسعود أن فِي فهم معاني القرآن مجالاً رحباً ومتسعاً بالغاً فقال:"مَن أراد علم الأوَّلين والآخرين فليُثَوِّر القرآن"وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} ، وقال: {مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} .
(التفاوت فِي إدراك المعاني الباطنة وإصابتها)
غير أن هذه المعاني المتكاثرة التي يشتمل عليها باطن القرآن لم تكن فِي متناول المفسِّرين جميعاً، كما أنهم لم يكونوا متساوين فِي القدر الذي أدركوه منها، بل تفاوتوا فِي ذلك بمقدار ما بينهم من تفاوت فِي الأخذ بالأسباب، كما أنهم لم يكونوا جميعاً مصيبين فيما وصلوا إليه منها وأدركوه، بل أصابوا فِي بعض منها وأخطأوا فِي بعض آخر، وما أخطأوا فيه: بعضه عن جهل، وبعضه عن تعمد خبيث ونية سيئة، فالإمامية مع قولهم بالظاهر على ما به، قالوا بالباطن أيضاً، ولكنهم تعمدوا أن يُفسِّروا الباطن على ما يتفق وعقيدتهم الفاسدة .. والباطنية لم يعترفوا بظاهر القرآن واعترفوا بالباطن فقط, ولكنهم أيضاً تعمدوا أن يُفسِّروا الباطن على ما يتفق ونواياهم السيئة، وكلا الفريقين ضال مبتدع.