هذا الميثاق، لأنه كان ونحن ذرٌّ صغيرٌ في ظهور الآباء الأقدمين، فلم نر بأعيننا ولم نسمع بآذاننا ولم يكلمنا الله ونحن أجساد بجوارح هكذا، فقد لا يذكر الإنسان هذا العهد والميثاق، ولكن اعتبر أنه لم يكن، والآن الله يسأل:"أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ"كيف يجيب العقل السلم ذو النظر الحديد والسمع الشهيد، كيف يجيب وكيف يقول، الرب هو الذي أنعم، هو الذي أعطى، أية نعمة نعيشها وننعم بها ليست لله؟ أية نعمة ينعم الإنسان بها وهي من خلقٍ وليست من عند الله؟ لا شيء، الله يقول:"وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ"، ومن كان عنده غير ذلك فليكذِّب، فنعمة الحياة التي أنعم بها إنما أمدّني الله بها، ولا أعرف من يمدّني بها غيره، الرزق الذي يأتيني ليس بعملي ولا بخبرتي ولا بجهدي، إنما كلّ ذلك من الأسباب، إنّ كان ما حصَّلته بيدي وبجهدي هذا رزقٌ من عملي أنا، فكيف بما جاءني عفواً دون طلباً مني، كيف بالرزق الذي يأتيني وأنا لا أدري عنه شيئاً، حين يرزقني الله من حيث لا أحتسب، وكلنا وقع له هذا، إن كان رزقاً قليلاً أو كثيراً، كثيراً ما يأتينا شيءٌ من الأرزاق لم نحسب له حساباً، ما كنّا نفكر فيه، ما أعددنا له، ما سعينا إليه، ما كنا ننتظره، والله يأتينا به، من أين؟ إنه هو الرزاق ذو القوة المتين، سبحانه وتعالى، فلو أن الله استشهدنا الآن، واستشهد كلّ إنسان وهو حيّ على وجه الأرض"أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ"فإن الإنسان العاقل المنصف لا يجد جواباً إلا أن يقول: بلى، أنت ربنا، ونعم الرب، لا إله إلا أنت.