ثم بين - سبحانه - لطفه في حكمه، وفضله على عباده، بمناسبة الحديث عن الجزاء فقال:
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها.
أي: من جاء يوم القيامة بالأعمال الحسنة. فله عشر حسنات أمثالها في الحسن، فضلا من الله - تعالى - وكرما.
قال بعضهم: وذلك - ولله المثل الأعلى - كمن أهدى إلى سلطان عنقود عنب يعطيه بما يليق بسلطنته لا قيمة العنقود. والعشر أقل ما وعد من الأصناف، وقد جاء الوعد بسبعين وبسبعمائة وبغير حساب، ولذلك قيل: المراد بذكر العشر بيان الكثرة لا الحصر في العدد الخاص.
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ أي: بالأعمال السيئة فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها أي: فلا يجزى بحكم الوعد إلا بمثلها في العقوبة واحدة بواحدة وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بنقص الثواب وزيادة العقاب.
فإن ربك لا يظلم أحدا.
وقد وردت أحاديث كثيرة في معنى الآية منها ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله - تعالى -: إذا أراد عبدى أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها. وإن تركها من أجلى فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة. فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة» .
ثم ختمت السورة الكريمة بخمس آيات جامعة لوجوه الخير، من تأملها تجلى له أنها ختام حكيم يناسب هذه السورة التي هي سورة البلاغ والإعلان، والمبادئ العليا لدعوة الإيمان.
أما الآيات الخمس فهي قوله - تعالى -:
[سورة الأنعام (6) : الآيات 161 إلى 165]
(قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(161)
أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، ولغيرهم ممن أرسلت إليهم، قل لهم جميعا: لقد هداني خالقي ومربينى إلى دين الإسلام الذي ارتضاه لعباده دِيناً قِيَماً أي:
ثابتا أبدا لا تغيره الملل والنحل ولا تنسخه الشرائع والكتب.
وقوله دِيناً نصب على البدل من محل إِلى صِراطٍ لأن معناه هداني صراطا، أو مفعول لمضمر يدل عليه المذكور. أي: عرفني دينا.