كان القرآن فِي مكة يقص على المسلمين من أنباء الرسل ما يثبت فؤادهم , ويعدهم لأمن والنصر الذي كان لمن قبلهم (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون) الصافات (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فِي الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) سورة غافر فلما هاجروا إلى المدينة فرارا بدينهم من الفتن ظنوا أنهم قد وجدوا مأمنهم , ولكنهم ما لبثوا أن هاجمتهم الحروب المسلحة من كان جانب , فانتقلوا من خوف أشد . وأصبحت كل أمنيتهم أن يجيء يوم يضعون فيه أسلحتهم وفي هذه الأوقات العصبية ينبئهم القرآن بما سيكون لهم من الخلافة والملك علاوة بالقسم: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فِي الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم: وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) سورة النور . روى الحاكم وصححه عن أبي بن كعب قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة . وكانوا لا يبيتون الا بالسلاح ولا يصبحون الا فيه فقالوا: أترون أنا نعيش حيث نبيت امنين مطمئنين لا نخاف إلا الله ؟ فنزلت الآية . وروى ابن أبي حاتم عن البراء قال: نزلت هذه الآية ونحن فِي خوف شديد.
فانظر كيف جاء تاويلها على أوسع معانيها فِي عصر الصحابة الذين وقع لهم خطاب المشافهة فِي قوله (منكم) فبدلوا من بعد خوفهم امنا لا خوف فيه: واستخلفوا فِي اقطار الأرض فورثوا مشارقها ومغاربها.