فاما سائر العلوم القرآنية فقد يقال انها من نوع ما يدرك بالعقل , فيمكن ان ينالها الذكي بالفراسة أو بالروية . وهذا كلام قد يلوح حقا فِي بادئ الرأي , ولكنه لا يلبث أن ينهار أمام الاختيار .
ذلك ان العقول البشرية لها فِي إدراك الأشياء طريق معين تسلكه , وحده محدود تقف عنده ولا تتجاوزه . فكل شيء لم يقع تحت الحس الظاهر أو الباطن مباشرة , ولم يكن مركوزا فِي غزيزة النفس , انما يكون إدراك العقول إياه عن طريق مقدمات معلومة توصل إلى ذلك المجهول , اما بسرعة كما فِي الحدس وأما ببطء كما فِي الاستدلال والاستنباط والمقايسة .
وكل ما لم تمهد له هذه الوسائل والمقدمات لا يمكن ان تناله يد العقل بحال . وإنما سبيله الإلهام , أو النقل عمن جاءه ذلك الالهام . فهل ما فِي القرآن من المعاني غير التاريخية كانت حاضرة الوسائل والمقدمات فِي نظر العقل ؟
ذلك ما سيأتيك نبؤه بعد حين . ولكننا نعجل لك لأن بمثالين من تلك المعاني نكتفي بذكرهما هنا عن إعادتهما بعد (احدهما) قسم العقائد الدينية (والثاني) قسم النبؤات الغيبية .
فأما أمر الدين فان غاية ما يجتنيه العقل من ثمرات بحثه المستقل فيه , بعد معاونة الفطرة السليمة له , هو ان يعلم ان فوق هذا العالم إلها قاهرا دبره وانه لم يخلقه باطلا بل وضعه على مقتضى الحكمة والعدالة . فلابد أن يعيده كرة أخرى لينال كل عامل جزاء عمله ان خيرا وان شرا.