أتراه لو كان حين يتحامى الكذب يتحاماه دهاء وسياسة , خشية ان يكشف الغيب قريبا أو بعيدا عن خلاف ما يقول , ما الذي كان يمنعه ان يتقول ما يشاء فِي شان ما بعد الموت وهو لا يخشى من يراجعه فيه , ولا يهاب حكم التاريخ عليه, بل منعه الخلق العظيم , وتقدير المسؤولية الكبرى امام حاكم آخر أعلى من التاريخ وأهله (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين) سورة الأعراف.
واعلم انك مهما أزحت عن نفسك راحة اليقين وأرخيت لها عنان
الشك وتركتها تفترض أسوا الفروض فِي الواقعة الواحدة والحادثة الفذة من هذه السيرة المكرمة فإنك متى وقفت منها على مجموعة صالحة لا تملك أن تدفع هذا اليقين عن نفسك ألا بعد أن تتهم وجدانك وتشك فِي سلامة عقلك . فنحن قد نرى الناس يدرسون حياة الشعراء فِي أشعارهم فيأخذون عن الشاعر من كلامه صورة كاملة تتمثل فيها عقائده وعوائده وأخلاقه ومجرى تفكيره وأسلوب معيشته, ولا يمنعهم زخرف الشعر وطلاؤه عن استنباط خليته, وكشف رغوته عن صريحة , ذلك أن للحقيقة قوة غلابة تنفذ من حجب الكتمان فتقرا بين السطور وتعرف فِي لجن القول, والإنسان مهما أمعن فِي تصنعه ومداهنته لا يخلو من فلتات فِي قوله وفعله تتم علي طبعه إذا أحفظ أو اخرج أو احتاج أو ظفر أو حلا بمن يطمئن إليه.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وان حالها تخفى على الناس تعلم